محمد بن جرير الطبري
550
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
ابن مسعود : ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرهم مناسكهم ) [ سورة البقرة : 128 ] ، فجمع قبل أن تكون ذريةً ، وهو في قراءتنا : " وأرنا مناسكنا " . وكما يقول القائل لآخر : " كأنك قد تزوجت وولد لك ، وكثرتم وعززتم " ، ونحو ذلك من الكلام . وإنما قلنا إن ذلك هو الواجب على التأويل الذي ذكرناه عن أبي العالية ، لأنّ آدمَ كان هو النبيَّ أيام حياته بعد أن أُهبط إلى الأرض ، ( 1 ) والرسولَ من الله جل ثناؤه إلى ولده . فغير جائز أن يكون معنيًّا - وهو الرسولُ صلى الله عليه وسلم - بقوله : " فإما يأتينّكم منّي هُدًى " ، خطابًا له ولزوجته ، " فإما يأتينكم مني أنبياءُ ورسل " ( 2 ) إلا على ما وصفتُ من التأويل . وقول أبي العالية في ذلك - وإن كان وجهًا من التأويل تحتمله الآية - فأقرب إلى الصواب منه عندي وأشبهُ بظاهر التلاوة ، أن يكون تأويلها : فإما يأتينكم يا معشرَ من أُهبط إلى الأرض من سمائي ( 3 ) ، وهو آدمُ وزوجته وإبليس - كما قد ذكرنا قبل في تأويل الآية التي قبلها - إما يأتينكم منّي بيانٌ من أمري وطاعتي ، ورشاد إلى سبيلي وديني ، فمن اتبعه منكم فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، وإن كان قد سلف منهم قبل ذلك إليّ معصية وخلافٌ لأمري وطاعتي . يعرّفهم بذلك جل ثناؤه أنه التائبُ على من تاب إليه من ذنوبه ، والرحيمُ لمن أناب إليه ، كما وصف نفسه بقوله : " إنه هو التّواب الرحيم " . وذلك أن ظاهر الخطاب بذلك إنما هو للذين قال لهم جل ثناؤه : " اهبطوا منها جميعًا " ، والذين خوطبوا به هم من سمّينا في قول الحجة من الصحابة والتابعين الذين قد قدّمنا الرواية عنهم . ( 4 ) . وذلك ، وإن كان خطابًا من الله جل ذكره لمن أُهبط
--> ( 1 ) في المطبوعة : " هو النبي صلى الله عليه وسلم " . ( 2 ) في المطبوعة : " . . . مني هدى أنبياء ورسل . . . " . ( 3 ) في المطبوعة : " فإما يأتينكم مني يا معشر من أهبطته . . . " . ( 4 ) في المطبوعة : " الرواية عنهم " بالحذف