محمد بن جرير الطبري
511
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
الذي فعل في استكباره عن السجود لآدم حسدًا له وبغيًا ، نظيرَ فعلهم في التكبر عن الإذعان لمحمد نبي الله صلى الله عليه وسلم ونبوّته ، إذ جاءهم بالحق من عند ربهم حسدًا وبغيًا . ثم وَصَف إبليس بمثل الذي وصف به الذين ضرَبه لهم مثلا في الاستكبار والحسد والاستنكاف عن الخضوع لمن أمرَه الله بالخضوع له ، فقال جل ثناؤه : " وكان " - يعني إبليس - " منَ الكافرين " - من الجاحدين نعمَ الله عليه وأياديَه عنده ، بخلافه عليه فيما أمرَه به من السجود لآدم ، كما كفرت اليهود نعمَ ربِّها التي آتاها وآباءها قبلُ : من إطعام الله أسلافَهم المنّ والسلوى ، وإظلال الغمام عليهم ، وما لا يحصى من نعمه التي كانت لهم ، خصوصًا ما خصَّ الذين أدركوا محمدًا صلى الله عليه وسلم بإدراكهم إياه ، ومشاهدتهم حجةَ الله عليهم ، فجحدت نبوّته بعد علمهم به ، ومعرفتهم بنبوّته حسدًا وبغيًا . فنسبه الله جل ثناؤه إلى " الكافرين " ، فجعله من عِدَادهم في الدين والملة ، وإن خالفهم في الجنس والنسبة . كما جعل أهل النفاق بعضَهم من بعض ، لاجتماعهم على النفاق ، وإن اختلفت أنسابهم وأجناسهم ، فقال : ( الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ) [ سورة التوبة : 67 ] يعني بذلك أن بعضهم من بعض في النفاق والضلال . فكذلك قوله في إبليس : كان من الكافرين ، كان منهم في الكُفر بالله ومخالفتِه أمرَه ، وإن كان مخالفًا جنسُه أجناسَهم ونسبُه نسبهم . ومعنى قوله : " وكان من الكافرين " أنه كان - حين أبَى عن السجود - من الكافرين حينئذ . وقد رُوي عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية أنه كان يقول : في تأويل قوله : " وكان منَ الكافرين " ، في هذا الموضع ، وكان من العاصين . 705 - حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا آدم العسقلاني ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، في قوله : " وكان من الكافرين " ، يعني العاصين ( 1 ) .
--> ( 1 ) الأثر 705 - في ابن كثير 1 : 140 .