محمد بن جرير الطبري

495

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وَصَفنا أمرَهم من أهل الكتاب - سوالفَ نعمه على آبائهم ، وأياديَه عند أسلافهم ، عند إنابتهم إليه ، وإقبالهم إلى طاعته ، مُستعطفَهم بذلك إلى الرشاد ، ومُستعتِبَهم به إلى النجاة . وحذَّرهم - بالإصرار والتمادي في البغي والضلال - حلولَ العقاب بهم ، نظيرَ ما أحلّ بعدوِّه إبليس ، إذ تمادَى في الغيّ والخَسَار ( 1 ) قال : وأما تأويل قوله : " سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا " ، فهو كما : - 674 - حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : " قالوا سبحانك " تنزيهًا لله من أن يكون أحدٌ يعلم الغيبَ غيرُه ، تُبنا إليك " لا علم لنا إلا ما عَلَّمتنا " ، تبرِّيًا منهم من علم الغيب ، " إلا ما علَّمتنا " كما علمت آدم ( 2 ) . وسُبحان مصدر لا تصرُّف له ( 3 ) . ومعناه : نسبِّحك ، كأنهم قالوا : نسبحك تسبيحًا ، وننزهك تنزيهًا ، ونبرّئك من أن نعلم شيئًا غير ما علمتنا . * * * القول في تأويل قوله : { إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } قال أبو جعفر : وتأويل ذلك : أنك أنت يَا ربنا العليمُ من غير تعليم بجميع ما قد كان وما وهو كائن ، والعالم للغيوب دون جميع خلقك . وذلك أنّهم نَفَوْا عن أنفسهم بقولهم : " لا علمٌ لنا إلا ما علَّمتنا " ، أن يكون لهم علم إلا ما علمهم ربهم ، وأثبتوا ما نَفَوْا عن أنفسهم من ذلك لربهم بقولهم : " إنك أنتَ العليم " ،

--> ( 1 ) في المطبوعة : " في البغي والخسار " ، والصواب ما في المخطوطة . ( 2 ) الخبر : 674 - مختصر من الخبر رقم : 606 . وفي المطبوعة هنا " تبرؤًا منهم " . ( 3 ) انظر ما مضى : ص 474 التعليق رقم : 3 .