محمد بن جرير الطبري
494
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وفي هذه الآيات الثلاث العبرة لمن اعتبرَ ، والذكرى لمن ادّكر ، والبيان لمن كان له قلبٌ أو ألقَى السمعَ وهو شهيد ، عمّا أودع الله جل ثناؤه آيَ هذا القرآن من لطائف الحكم التي تعجز عن أوصافها الألسن . وذلك أن الله جل ثناؤه احتجّ فيها لنبيه صلى الله عليه وسلم على من كان بين ظَهْرَانَيْه من يَهود بني إسرائيل ، باطلاعه إياه من علوم الغيب التي لم يكن جل ثناؤه أطلعَ عليها من خلقه إلا خاصًّا ، ولم يكن مُدرَكًا علمه إلا بالإنباء والإخبار ، لتتقرر عندهم صحة نبوته ، ويعلموا أن ما أتاهم به فمن عنده ، ودلّ فيها على أنّ كل مخبر خبرًا عما قد كان - أو عما هو كائن مما لم يكنْ ، ولم يأته به خبر ، ولم يُوضَع له على صحّته برهان ، - فمتقوّلٌ ما يستوجبُ به من ربه العقوبة . ألا ترى أنّ الله جل ذكره ردّ على ملائكته قِيلَهم : " أتجعلُ فيها من يُفسدُ فيها ويَسفكُ الدماءَ ونَحنُ نُسبح بحمدك ونقدسُ لك " قال : " إني أعلمُ ما لا تعلمونَ " ، وعرفهم أن قِيلَ ذلك لم يكن جائزًا لهم ، بما عرّفهم من قصور علمهم عند عرضه ما عرض عليهم من أهل الأسماء ، فقال : " أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتمْ صادقين " . فلم يكن لهم مَفزَعٌ إلا الإقرارُ بالعجز ، والتبرِّي إليه أن يعلموا إلا ما علّمهم ، بقولهم : " سبحانك لا عِلْمَ لنا إلا ما علّمتنا " . فكان في ذلك أوضحُ الدلالة وأبينُ الحجة ، على كذب مقالة كلّ من ادعى شيئًا من علوم الغيب من الحُزاة والكهنة والعافَةِ والمنجِّمة ( 1 ) . وذكَّر بها الذين
--> ( 1 ) الحزاة جمع حاز : وهو كالكاهن ، يحرز الأشياء ويقدرها بظنه . ويقال للذي ينظر في النجوم ويتكهن حاز وحزاء ، وفي حديث هرقل أنه " كان حزاء " ، وفي الحديث : " كان لفرعون حاز " ، أي كاهن . والكهنة جمع كاهن : وهو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعى معرفة الأسرار . وفي المطبوعة " والقافة " مكان " والعافة " ، وهو خطأ بين ، فالقيافة ليست مما أراد الطبري في شيء ، وهي حق ، لا باطل كباطل التحزي والكهانة والتنجيم . والعافة جمع عائف : وهو الذي يعيف الطير فيزجرها ويتفاءل أو يتشاءم بأسمائها وأصواتها وممرها . واسم حرفته : العيافة ، وفي الحديث : " العيافة والطرق من الجبت " . وهو ضرب من الكهانة . والمنجم والمتنجم : الذي ينظر في النجوم يحسب مواقيتها وسيرها ، ثم يربط بين ذلك وبين أحوال الدنيا والناس ، فيقول بالظن في غيب أمورهم .