محمد بن جرير الطبري

493

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

العلم . وذلك أنه غير معقول في لغة من اللغات أن يقال : صدَق الرجل بمعنى علم . فإذْ كان ذلك كذلك ، فقد وجب أن يكون الله جل ثناؤه قال للملائكة - على تأويل قول هذا الذي حكينا قوله في هذه الآية - : " أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " وهو يعلم أنهم غيرُ صادقين ، يريد بذلك أنهم كاذبون . وذلك هو عين ما أنكره ، لأنه زعم أن الملائكة لم تدَّع شيئًا ، فكيف جاز أن يقال لهم : إن كنتم صَادقين ، فأنبئوني بأسماء هؤلاء ؟ هذا مع خروج هذا القول - الذي حكيناه عن صاحبه - من أقوال جميع المتقدمين والمتأخرين من أهل التأويل والتفسير . وقد حُكي عن بعض أهل التفسير أنه كان يتأول قوله : " إن كنتم صادقين " بمعنى : إذْ كنتم صادقين . ولو كانت " إن " بمعنى " إذ " في هذا الموضع ، لوجب أن تكون قراءتها بفتح ألفها ، لأن " إذ " إذا تقدّمها فعل مُستقبل صارت علة للفعل وسببًا له . وذلك كقول القائل : " أقوم إذ قمت " . فمعناه أقوم من أجل أنّك قمت . والأمرُ بمعنى الاستقبال ، فمعنى الكلام - لو كانت " إن " بمعنى " إذ " - : أنبئوني بأسماء هؤلاء من أجل أنكم صادقون . فإذا وُضعت " إن " مكان ذلك قيل : أنبئوني بأسماء هؤلاء أنْ كنتم صَادقين ، مفتوحةَ الألف . وفي إجماع جميع قُرّاء أهل الإسلام على كسر الألف من " إنْ " ، دليل واضح على خطأ تأويل من تأول " إن " بمعنى " إذ " في هذا الموضع . * * * القول في تأويل قوله تعالى ذكره : { قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 32 ) } قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله جل ذكره عن ملائكته ، بالأوبة إليه ، وتسليم علم ما لم يعلموه له ، وتبرِّيهم من أن يعلموا أو يعلم أحد شيئًا إلا ما علّمه تعالى ذكره .