محمد بن جرير الطبري
492
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " أنكم إن استخلفتكم في أرضي سبّحتموني وقدستموني ، وإن استخلفت فيها غيرَكم عَصَاني ذُريته وأفسدوا وسفكوا الدماء . فلما اتضح لهم موضع خطأ قيلهم ، وبدت لهم هَفوة زَلتهم ، أنابوا إلى الله بالتوبة فقالوا : " سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا " ، فسارعوا الرجعة من الهفوة ، وبادروا الإنابة من الزلة ، كما قال نوح - حين عوتب في مَسئلته فقيل له : لا تسأَلْنِ ما ليس لك به علم ( 1 ) - : ( رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) [ سورة هود : 47 ] . وكذلك فعلُ كل مسدَّد للحق موفَّق له - سريعة إلى الحق إنابته ، قريبة إليه أوْبته . وقد زعم بعض نحويّي أهل البصرة أنّ قوله : " أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " ، لم يكن ذلك لأن الملائكة ادّعوا شيئا ، إنما أخبر الله عن جهلهم بعلم الغيب ، وعلمه بذلك وفضله ، فقال : " أنبئوني إن كنتم صادقين " - كما يقول الرجل للرجل : " أنبئني بهذا إن كنت تعلم " . وهو يعلم أنه لا يعلم ، يريد أنه جاهلٌ . وهذا قول إذا تدبره متدبر ، علم أن بعضَه مُفسدٌ بعضًا . وذلك أن قائله زعم أن الله جل ثناؤه قال للملائكة - إذ عرَض عليهم أهل الأسماء - : أنبئوني بأسماء هؤلاء ، وهو يعلم أنهم لا يعلمون ، ولا هم ادّعوا علم شيء يوجب أن يُوبَّخوا بهذا القول . وزعم أن قوله : " إن كنتم صادقين " نظير قول الرجل للرجل : " أنبئني بهذا إن كنت تعلم " . وهو يعلم أنه لا يعلم ، يريد أنه جاهل . ولا شك أن معنى قوله : " إن كنتم صادقين " إنما هو : إن كنتم صادقين ، إمّا في قولكم ، وإما في فعلكم . لأن الصّدق في كلام العرب ، إنما هو صدق في الخبر لا في
--> ( 1 ) في المطبوعة هنا أيضًا : " فلا تسألن " .