محمد بن جرير الطبري

491

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

ونقدس لك ؟ إن كنتم صادقين في قيلكم أني إن جعلت خليفتي في الأرض من غيركم عَصَاني ذريته وأفسدوا فيها وسفكوا الدماء ، وإن جعلتكم فيها أطعتموني ، واتّبعتم أمري بالتعظيم لي والتقديس . فإنكم إن كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضتُهم عليكم من خلقي ، وهم مخلوقون موجودون ترونهم وتعاينونهم ، وعَلِمه غيركم بتعليمي إيّاه ؛ فأنتم = بما هو غير موجود من الأمور الكائنة التي لم توجد بَعدُ ، وبما هو مستتر من الأمور - التي هي موجودة - عن أعينكم = أحرى أن تكونوا غير عالمين ، فلا تسألوني ما ليس لكم به علم ، فإني أعلم بما يصلحكم ويصلح خلقي . وهذا الفعل من الله جل ثناؤه بملائكته - الذين قالوا له : " أتجعل فيها من يفسد فيها " ، من جهة عتابه جل ذكره إياهم - نظيرُ قوله جل جلاله لنبيه نوح صلوات الله عليه إذ قال : ( رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ) [ سورة هود : 45 ] - : لا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ( 1 ) . فكذلك الملائكة سألت ربها أن تكون خُلفاءه في الأرض ليسبّحوه ويقدسوه فيها ، إذ كان ذرية من أخبرهم أنه جاعلُه في الأرض خليفةً ، يفسدون فيها ويسفكون الدماء ، فقال لهم جل ذكره : " إني أعلم ما لا تعلمون " . يعني بذلك : إني أعلم أنّ بعضكم فاتِحُ المعاصي وخاتِمُها ، وهو إبليس ، منكرًا بذلك تعالى ذكره قولهم . ثم عرّفهم موضع هَفوتهم في قيلهم ما قالوا من ذلك ، بتعريفهم قصور علمهم عما هم له شاهدون عيانًا ، - فكيف بما لم يروه ولم يُخبَروا عنه ؟ - بعرَضه ما عرض عليهم من خلقه الموجودين يومئذ ، وقيله لهم : " أنبئوني

--> ( 1 ) في المطبوعة : " وأنت أحكم الحاكمين فلا تسألن " ، وهو خطأ فاحش ، فإن الآية التي تلي قوله : " وأنت أحكم الحاكمين " : " قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم . . . " ، ولم يرد الطبري أن يسوق الآيتين ، بل ساق قول الله سبحانه لنبيه حين قال ما قال . والصواب ما في المخطوطة كما أثبتناه .