محمد بن جرير الطبري

471

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وجه التعجب ، فدعْوَى لا دلالة عليها في ظاهر التنزيل ، ولا خبر بها من الحجة يقطعُ العذرَ . وغير جائز أن يقال في تأويل كتاب الله بما لا دلالة عليه من بعض الوجوه التي تقوم بها الحجة . وأما وصفُ الملائكة مَن وصفت - في استخبارها ربَّها عنه - بالفساد في الأرض وسفك الدماء ، فغير مستحيلٍ فيه ما رُوي عن ابن عباس وابن مسعود من القول الذي رواه السُّدّيّ ، ووافقهما عليه قتادة - من التأويل : وهو أن الله جل ثناؤه أخبرهم أنه جاعلٌ في الأرض خليفة تكون له ذرية يفعلون كذا وكذا ، فقالوا : " أتجعل فيها من يفسد فيها " ، على ما وصفت من الاستخبار . فإن قال لنا قائل : وما وجه استخبارها ، والأمر على ما وصفتَ ، من أنها قد أخبرت أنّ ذلك كائن ؟ قيل : وجه استخبارها حينئذ يكون عن حالهم عن وقوع ذلك . وهل ذلك منهم ؟ ومسألتهم ربَّهم أن يجعلهم الخلفاءَ في الأرض حتى لا يعصوه . وغيرُ فاسد أيضًا ما رواه الضحاك عن ابن عباس ، وتابعه عليه الربيع بن أنس ، من أن الملائكة قالت ذلك لما كان عندها من علم سكان الأرض - قبل آدم - من الجنّ ، فقالت لربها : " أجاعل فيها أنت مثلهم من الخلق يفعلون مثل الذي كانوا يفعلون " ؟ على وجه الاستعلام منهم لربهم ، لا على وجه الإيجاب أنّ ذلك كائن كذلك ، فيكون ذلك منها إخبارًا عما لم تطلع عليه من علم الغيب . وغيرُ خطأ أيضًا ما قاله ابن زيد من أن يكون قيلُ الملائكة ما قالت من ذلك ، على وجه التعجب منها من أن يكون لله خلقٌ يعصي خالقه . وإنما تركنا القول بالذي رواه الضحاك عن ابن عباس ، ووافقه عليه الربيع بن أنس ، وبالذي قاله ابن زيد في تأويل ذلك ، لأنه لا خبر عندنا بالذي قالوه من وجه يقطعُ مجيئُه العذرَ ، ويُلزمُ سامِعَه به الحجة . والخبر عما مضى وما قد سلف ، لا يُدرك علمُ صحته إلا بمجيئه مجيئًا يمتنع مَعه التشاغب والتواطؤ ، ويستحيل مَعه الكذب والخطأ والسهو ( 1 ) . وليس ذلك بموجود كذلك فيما حكاه الضحاك عن ابن عباس ووافقه عليه الربيع ، ولا فيما قاله ابن زيد . فأولى التأويلات - إذ كان الأمر كذلك - بالآية ، ما كان عليه من ظاهر التنزيل دلالةٌ ، مما يصح مخرجُه في المفهوم . فإن قال قائل : فإن كان أولى التأويلات بالآية هو ما ذكرتَ ، من أن الله أخبر الملائكة بأن ذرّية خليفته في الأرض يفسدون فيها ويسفكون فيها الدماء ، فمن أجل ذلك قالت الملائكة : " أتجعل فيها من يفسد فيها " ، فأين ذكر إخبارِ الله إياهم في كتابه بذلك ؟ قيل له : اكتفى بدلالة ما قد ظهرَ من الكلام عليه عنه ، كما قال الشاعر : فَلا تَدْفِنُونِي إِنَّ دَفْنِي مُحَرَّمٌ . . . عَلَيْكُمْ ، وَلَكِن خَامِرِي أُمَّ عَامِرِ ( 2 ) فحذف قوله " دعوني للتي يقال لها عند صَيدها " : خامري أمّ عامر . إذ كان فيما أظهر من كلامه ، دلالة على معنى مراده . فكذلك ذلك في قوله : " قالوا

--> ( 1 ) في المخطوطة والمطبوعة : " يمتنع منه . . . ويستحيل منه " ، وليست بشيء . وفي المخطوطة مكان " التشاغب " : " الساعر " غير مبينة . ( 2 ) البيت للشنفري الأزدي في قصة . شرح الحماسة 2 : 24 - 26 ، والأغاني 21 : 89 وغيرهما . ويروى : " لا تقبروني إن قبري " ، " ولكن أبشري " . وقوله " خامري " : أي استتري ، وأصله من الخمرة ( بكسر فسكون ) وهو الاستخفاء . يريدون بذلك دنو الضبع مستخفية ملازمة لمكانها حتى تخالط القتيل فتصيب منه . وأم عامر : كنية الضبع . وذلك مما يقوله لها الصائد حين يريد صيدها ، يغرها بذلك حتى يتمكن منها ، فيقول لها : " أبشري أم عامر بشياه هزلى ، وجراد عظلى ، + وكسر رجال قتلى " ، فتميل الضبع إليه فيصيدها .