محمد بن جرير الطبري
461
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قال أبو جعفر : فهذا الخبر أوّله مخالف معناه معنى الرواية التي رويت عن ابن عباس من رواية الضحاك التي قد قدمنا ذكرها قبل ، وموافقٌ معنى آخره معناها . وذلك أنه ذكر في أوّله أن الملائكة سألت ربها : ما ذاك الخليفة ؟ حين قال لها : إني جاعلٌ في الأرض خليفة . فأجابها أنه تكون له ذُرّية يُفسدون في الأرض وَيتحاسدون ويقتل بعضهم بعضًا . فقالت الملائكة حينئذ : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ؟ فكان قولُ الملائكة ما قالت من ذلك لرَبِّها ، بعد إعلام الله إياها أنّ ذلك كائن من ذُرّية الخليفة الذي يجعله في الأرض . فذلك معنى خلاف أوله معنى خبر الضحاك الذي ذكرناه . وأما موافقته إياه في آخره ، فهو قولهم في تأويل قوله : " أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " : أنّ بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء ، وأن الملائكة قالت إذ قال لها ربها ذلك ، تبرِّيًا من علم الغيب - : " سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم " . وهذا إذا تدبّره ذو الفهم ، علم أن أوّله يفسد آخرَه ، وأن آخره يُبطل معنى أوّله . وذلك أن الله جل ثناؤه إن كان أخبر الملائكة أن ذرّية الخليفة الذي يجعله في الأرض تفسد فيها وتسفك الدماء ، فقالت الملائكة لربها : " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " ؛ فلا وجه لتوبيخها على أن أخبرت عمن أخبرها الله عنه أنه يفسد في الأرض ويسفك الدماء ، بمثل الذي أخبرها عنهم ربُّها ، فيجوزَ أن يقالَ لها فيما طوي عنها من العلوم : إن كنتم صادقين فيما علمتم بخبر الله إياكم أنه كائن من الأمور فأخبرتم به ، فأخبرونا بالذي قد طوى الله عنكم علمه ، كما قد أخبرتمونا بالذي قد أطلعكم الله عليه - بل ذلك خُلفٌ من التأويل ، ودعوَى على