محمد بن جرير الطبري

462

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

الله ما لا يجور أن يكون له صفة ( 1 ) . وأخشى أن يكون بعض نَقَلة هذا الخبر هو الذي غَلِط على من رواه عنه من الصحابة ، وأن يكون التأويل منهم كان على ذلك : " أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين فيما ظننتم أنكم أدركتموه من العِلم بخبَري إياكم أنّ بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء ، حتى استجزتم أن تقولوا : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " . فيكون التوبيخ حينئذ واقعًا على ما ظنوا أنهم قد أدركوا بقول الله لهم : " إنه يكون له ذرّية يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء " ، لا على إخبارهم بما أخبرهم الله به أنه كائن . وذلك أن الله جل ثناؤه ، وإن كان أخبرهم عما يكون من بعض ذرّية خليفته في الأرض ، ما يكون منه فيها من الفساد وسفك الدماء ، فقد كانَ طوَى عنهم الخبرَ عما يكون من كثيرٍ منهم ما يكون من طاعتِهم ربَّهم ، وإصلاحهم في أرْضه ، وحقن الدماء ، ورفعِه منزلتَهم ، وكرامتِهم عليه ، فلم يخبرهم بذلك . فقالت الملائكة : " أتجعلُ فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء " ، على ظنٍّ منها - على تأويل هذين الخبرين اللذين ذكرتُ وظاهرِهما - أنّ جميع ذرية الخليفة الذي يجعله في الأرض يُفسدون فيها ويسفكون فيها الدماء ، فقال الله لهم - إذ علّم آدم الأسماء كلها - : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين أنكم تعلمون أنّ جميع بني آدم يُفسدون في الأرض ويسفكون الدماء ، على ما ظننتم في أنفسكم - إنكارًا منه جل ثناؤه لقيلهم ما قالوا من ذلك على الجميع والعموم ، وهو من صفة خاصِّ ذرّية الخليفة منهم . وهذا الذي ذكرناه هو صفةٌ منا لتأويل الخبر ، لا القول الذي نختاره في تأويل الآية ( 2 ) .

--> ( 1 ) نقد الطبري دال أيضًا على ما ذهبنا إليه من الاستدلال بالآثار كاستدلال المستدل بالشعر . وأنت تراه ينقض هذا الخبر نقضًا ، ويبين الخطأ في سياقه ، وتناقضه في معناه . وهذا بين إن شاء الله . ( 2 ) وهذا أيضًا دليل واضح على أن استدلال الطبري بالأخبار والآثار ، ليس معناه أنه ارتضاها ، بل معناه أنه أتى بها ليستدل على سياق تفسير الآية مرة ، وعلى بيان فساد الأخبار أنفسها مرة أخرى . وقد أخطأ كثير ممن نقل عن الطبري في فهم مراده ، وتحامل عليه آخرون لم يعرفوا مذهبه في هذا التفسير .