محمد بن جرير الطبري
456
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
أفسدت الجن وسفكت الدماء ، وإنما بُعثنا عليهم لذلك . فقال : " إني أعلم ما لا تعلمون " ، يقول : إني قد اطلعتُ من قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه ، من كبره واغتراره . قال : ثم أمر بتُربة آدم فرُفعت ، فخلق الله آدم من طين لازب - واللازبُ : اللزِجُ الصُّلب ، من حمأ مسنون - مُنْتِن . قال : وإنما كان حمأ مسنونًا بعد التراب . قال : فخلق منه آدم بيده ، قال فمكث أربعين ليلة جسدًا ملقًى . فكان إبليس يأتيه فيضربه برجله فيُصَلصِل - أي فيصوّت - قال : فهو قول الله : ( مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ) [ سورة الرحمن : 14 ] . يقول : كالشئ المنفوخ الذي ليس بمُصْمت ( 1 ) . قال : ثم يَدخل في فيه ويخرج من دُبُره ، ويدخل من دُبُره ويخرج من فيه ، ثم يقول : لست شيئًا ! - للصّلصَلة - ولشيء ما خُلقت ! لئن سُلِّطتُ عليك لأهلكنك ، ولئن سُلِّطتَ علي لأعصِيَنَّك . قال : فلما نفخ الله فيه من روحه ، أتت النفخة من قبل رأسه ، فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صَار لحمًا ودمًا . فلما انتهت النفخة إلى سُرّته ، نظر إلى جسده ، فأعجبه ما رأى من حسنه ، فذهب لينهضَ فلم يقدرْ ، فهو قول الله : ( وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولا ) [ سورة الإسراء : 11 ] قال : ضَجِرًا لا صَبرَ له على سَرَّاء ولا ضرَّاء . قال : فلما تمت النفخة في جسده عطس ، فقال : " الحمد لله ربّ العالمين " بإلهام من الله تعالى ، فقال الله له : يرحمُك الله يا آدم . قال : ثم قال الله للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السماوات : اسجدوا لآدم . فسجدُوا كلهم أجمعون إلا إبليس أبَى واستكبر ، لِما كان حدّث به نفسه من كبره واغتراره . فقال : لا أسجُد له ، وأنا خير منه وأكبرُ سنًّا وأقوى خَلْقًا ، خلقتني من نار وخلقته من طين - يقول : إن النار أقوى من الطين . قال : فلما أبَى إبليس أن يسجد أبلسه الله - أي آيسه من الخير كله ( 2 ) ، وجعله شيطانًا رجيما
--> ( 1 ) المصمت : الذي لا جوف له ، وكل ذي جوف إذ قرع صوت ، أما المصمت فهو صامت لا صوت له . فمن الصمت أخذوه . ( 2 ) في المطبوعة : " وآيسه الله . . . " .