محمد بن جرير الطبري
457
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
عقوبةً لمعصيته . ثم علم آدم الأسماء كلها ، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس : إنسان ودابة وأرْض وسهلٌ وبحر وجبل وحمار ، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها . ثم عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة - يعني الملائكة الذين كانوا مع إبليس ، الذين خلقوا من نار السموم - وقال لهم : أنبئوني بأسماء هؤلاء - يقول : أخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ، إن كنتم تعلمون أنِّي لمَ أجعلُ خليفة في الأرض ( 3 ) . قال : فلما علمت الملائكة مؤاخذةَ الله عليهم فيما تكلموا به من علم الغيب ، الذي لا يعلمه غيرُه ، الذي ليس لهم به علم ، قالوا : سبحانك ، تنزيها لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيرُه - تبنا إليك ، لا علم لنا إلا ما علمتنا ، تبرِّيًا منهم من علم الغيب ، إلا ما علمتنا كما علّمت آدم . فقال : يا آدم أنبئهم بأسمائهم - يقول : أخبرهم بأسمائهم . فلما أنبأهم بأسمائهم قال : ألم أقل لكم - أيها الملائكة خاصة - إني أعلم غيبَ السماوات والأرض ، ولا يعلمه غيري ، وأعلم ما تبدون - يقول : ما تُظهرون - وما كنتم تكتمون - يقول : أعلم السرّ كما أعلم العلانية ، يعني ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار ( 4 ) . قال أبو جعفر : وهذه الرواية عن ابن عباس ، تُنبئ عن أن قول الله جل ثناؤه : " وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرص خليفة " ، خطابٌ من الله جل ثناؤه لخاصٍّ من الملائكة دون الجميع ، وأنّ الذين قيل لهم ذلك من الملائكة كانوا قبيلة إبليس خاصةً - الذين قاتلوا معه جنّ الأرض قبل خلق آدم - وأنّ الله إنما خصّهم بقيل ذلك امتحانًا منه لهم وابتلاءً ، ليعرِّفهم قصورَ علمهم وفضلَ كثير ممن هو أضعفُ خلقًا منهم من خلقه عليهم ، وأنّ كرامته
--> ( 3 ) في المطبوعة : " أنكم تعلمون أني أجعل في الأرض خليفة " ، وقوله " لم أجعل . . " سقط " لم " من المخطوطة أيضًا . والصواب من الدر المنثور ، والشوكاني ، حيث يأتي تخريجه . وسيأتي على الصواب أيضًا في رقم : 671 ص : 490 ، وهو مختصر من هذا الأثر . ( 4 ) الخبر : 606 - خرجه السيوطي في الدر المنثور مفرقًا 1 : 44 - 45 ، 49 ، 50 . والشوكاني 1 : 52 بعضه مفرقًا . وروى الطبري قطعة منه ، بهذا الإسناد ، في تاريخه 1 : 42 - 43 .