محمد بن جرير الطبري

445

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

الملائكة ، فيحذفون الهمز منه ، ويحركون اللام التي كانت مسكنة لو هُمز الاسم . وإنما يحركونها بالفتح ، لأنهم ينقلون حركة الهمزة التي فيه بسقوطها إلى الحرف الساكن قبلها : فإذا جمعوا واحدهم ، ردّوا الجمعَ إلى الأصل وهمزوا ، فقالوا : ملائكة . وقد تفعل العرب نحو ذلك كثيرا في كلامها ، فتترك الهمز في الكلمة التي هي مهموزة ، فيجري كلامهم بترك همزها في حال ، وبهمزها في أخرى ، كقولهم : " رأيت فلانا " فجرى كلامهم بهمز " رأيت " ثم قالوا : " نرى وترى ويرى " ، فجرى كلامهم في " يفعل " ونظائرها بترك الهمز ، حتى صارَ الهمز معها شاذًّا ، مع كون الهمز فيها أصلا . فكذلك ذلك في " ملك وملائكة " ، جرى كلامهم بترك الهمز من واحدهم ، وبالهمز في جميعهم . وربما جاء الواحد مهموزًا ، كما قال الشاعر : فلَسْتَ لإِنْسِيٍّ ولكنْ لِمَلأَكٍ . . . تَحَدَّرَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ ( 1 ) وقد يقال في واحدهم ، مألك ، فيكون ذلك مثل قولهم : جَبَذ وجذب ، وشأمَل وشمأل ، وما أشبه ذلك من الحروف المقلوبة . غير أن الذي يجبُ إذا سمي واحدهم " مألك " أن يجمع إذا جمع على ذلك " مآلك " ، ولست أحفظ جمعَهم كذلك سماعًا ، ولكنهم قد يجمعون : ملائك وملائكة ، كما يجمع أشعث : أشاعث وأشاعثة ، ومِسْمع : مَسامع ومَسامِعة ، قال أميّة بن أبي الصّلت في جمعهم كذلك : وَفِيهِمَا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ قَوْمٌ . . . مَلائِك ذُلِّلوا وهُمُ صِعَابُ ( 2 ) وأصل الملأك : الرسالة ، كما قال عدي بن زيد العِبَادِيّ :

--> ( 1 ) سلف الكلام على هذا البيت في ص : 333 ، ورواية المخطوطة في هذا الموضع : " ولستَ لجنّيّ ولكنّ مَلأكًا " ( 2 ) ديوانه : 19 . " ذللوا " من الذل ( بكسر الذال ) وذلله : راضه حتى يذل ويلين ويطيع .