محمد بن جرير الطبري
446
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
أَبْلِغِ النُّعْمَانَ عَنِّي مَلأَكًا . . . إِنَّهُ قَدْ طَالَ حَبْسِي وَانْتِظَارِي ( 1 ) وقد ينشد : مألَكًا ، على اللغة الأخرى . فمن قال : ملأكًا فهو مَفْعل ، من لأك إليه يَلأك إذا أرسل إليه رسالة مَلأكة ( 2 ) ؛ ومن قال : مَألَكًا فهو مَفْعَل من ألكت إليه آلك : إذا أرسلت إليه مألَكة وألُوكًا ( 3 ) ، كما قال لبيد بن ربيعة ( 4 ) : وَغُلامٍ أَرْسَلَتْه أُمُّه . . . بأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ ( 5 ) فهذا من " ألكت " ، ومنه قول نابغة بني ذبيان : أَلِكْنِي يَا عُيَيْنَ إِلَيْكَ قَوْلا . . . سَأَهْدِيه ، إِلَيْكَ إِلَيْكَ عَنِّي ( 6 )
--> ( 1 ) الأغاني 2 : 14 ، والعقد الفريد 5 : 261 ، وفي المطبوعة " وانتظار " ، وهي إحدى قصائد عدي ، التي كان يكتبها إلى النعمان ، لما حبسه في محبس لا يدخل عليه فيه أحد . وبعده البيت المشهور ، وهو من تمامه : لَوْ بِغَيْرِ الْمَاءِ حَلْقِي شرِقٌ . . . كُنْت كالغَصَّانِ بالماء اعتصارِي ( 2 ) في المطبوعة والمخطوطة : " يلئك " ، وهذا الثلاثي : " لأك يلأك " لم أجده منصوصًا عليه في كتب اللغة ، بل الذي نصوا عليه هو الرباعي : " ألكني إلى فلان : أبلغه عني . أصله ألئكني ، فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على ما قبلها " ، ولكنهم نصوا على أنه مقلوب ، فإذا صح ذلك ، صح أيضًا أن تكون " لأك " مقلوب " ألك " الثلاثي ، وهو مما نصوا عليه . ( 3 ) كلام الطبري يشعر بأنه أراد وزن " مفعل " بفتح العين ، فهي مألك ، بفتح اللام ، والأشهر الأفصح : والمألك والمألكة ( بفتح الميم وضم اللام فيهما ) . ( 4 ) في المطبوعة : " لبيد بن أبي ربيعة " ، وهو خطأ . ( 5 ) ديوانه القصيدة رقم : 37 ، البيت : 16 ، وقوله " وغلام " مجرور بواو " رب " . أرسلت الغلام أمه تلتمس من معروف لبيد ، فأعطاها ما سألت . ( 6 ) في المطبوعة : " ستهديه الرواة إليك . . " ، وأثبتنا نص المخطوطة ، والديوان : 85 وغيرهما . ويضبطونه " سأهديك " بضم الهمزة ، من الهدية ، أي سأهديه إليك ، ولست أرتضيه ، والشعر يختل بذلك معناه . وإنما هو عندي بفتح الهمزة ، من " هديته الطريق " إذا عرفته الطريق وبينته له . ومنه أخذوا قولهم : هاداني فلان الشعر وهاديته : أي هاجاني وهاجيته . وقوله : " إليك إليك " أي خذها ، كما قال القطامي : إذا التَّيَّازُ ذُو الْعَضَلاتِ قُلْنَا : . . . إِلَيْكَ إِلَيْكَ ! ضَاقَ بِهَا ذِرَاعَا وقوله : " عني " أي مني ، كما في قولهم : " عنك جاء هذا " أي منك ، أو من قبلك . وكذلك هو في قوله تعالى : ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ) ، أي من عباده ، وقوله تعالى : ( أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ) ، أي نتقبل منهم . وليس قول النابغة من قولهم " إليك عني " ، أي كف وأمسك - في شيء . والشعر الذي يليه دال على ذلك ، والبيت الذي يلي هذا فيه الكلمة المنصوبة بقوله " إليك إليك " : قَوَافِيَ كَالسِّلامِ إِذَا اسْتَمَرَّتْ . . . فَلَيْسَ يرُدّ مَذْهَبَهَا التَّظَنِّي أي خذها قوافي كالسلام ، وهي الحجارة . وقوله : " عيين " يعني عيينة بن حصن الفزاري ، وكان أعان بني عبس على بني أسد حلفاء بني ذبيان " رهط النابغة .