محمد بن جرير الطبري
443
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وقمرها ونجومها ، وغير ذلك من منافعها التي جعلها لهم ولسائر بني آدم معهم منافع . فكان في قوله تعالى : ذكره " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون " ، معنى : اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ، إذ خلقتكم ولم تكونوا شيئًا ، وخلقت لكم ما في الأرض جميعًا ، وسويت لكم ما في السماء . ثم عطف بقوله : " وإذ قال رَبُّك للملائكة " على المعنى المقتضَى بقوله : " كيف تكفرون بالله " ، إذ كان مقتضيًا ما وصفتُ من قوله : اذكروا نعمتي إذ فعلت بكم وفعلتُ ، واذكروا فعلي بأبيكم آدم إذ قلتُ للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفةً ( 1 ) . فإن قال قائل : فهل لذلك من نظير في كلام العرب نعلم به صحة ما قلت ؟ قيل : نعم ، أكثرُ من أن يحصى ، من ذلك قول الشاعر : أجِدَّك لَنْ تَرَى بِثُعَيْلِبَاتٍ . . . وَلا بَيْدَانَ نَاجِيةَ ذَمُولا ( 2 ) وَلا مُتَدَاركٍ وَالشَّمْسُ طِفْلٌ . . . بِبَعْضِ نَوَاشغ الوَادي حُمُولا ( 3 ) فقال : " ولا متداركٍ " ، ولم يتقدمه فعلٌ بلفظ يعطفه عليه ( 4 ) ، ولا حرف
--> ( 1 ) هذا الذي قاله أبو جعفر تغمده الله بمغفرته ، من أجود النظر في تأويل كتاب الله ، ومن حسن بصره بالعربية وأسرار إيجازها ، واعتمادها على الاكتفاء بالقليل من اللفظ الدال على الكثير من المعنى ، واتخاذها الحروف روابط للمعاني الجامعة ، لا لرد حرف على حرف سبق . ( 2 ) هو للمرار بن سعيد الفقعسي ، معاني القرآن للفراء 1 : 171 ، مجالس ثعلب : 159 ، اللسان ( بيد ) ( طفل ) ( نشغ ) ، ومعجم البلدان ( ثعيلبات ) . وثعيلبات وبيدان موضعان . والناجية : الناقة السريعة ، من النجاء : وهو سرعة السير . والذمول : الناقة التي تسير سيرًا سريعًا لينًا ذملت ذميلا وذملانًا . ( 3 ) يروى " ولا متلافيًا " بالنصب . وتدارك القوم ( متعديًا ) ، بمعنى أدركهم ، أو حاول اللحاق بهم . وتلافاه : تداركه أيضًا . والشمس طفل : يعني هنا : عند شروقها - لا عند غروبها - أخذت من الطفل الصغير . ونواشغ الوادي جمع ناشغة : وهي مجرى الماء إلى الوادي . الحمول : هي الهوادج التي فيها النساء تحملها الإبل . وسميت الإبل وما عليها حمولا ، لأنهم يحملون عليها الهوادج للرحلة . يقول : لن تدركهم ، فقد بكروا بالرحيل . ( 4 ) في المطبوعة : " يعطف عليه " . وفي المخطوطة " يعطف به " ، وقوله " به " ملصقة إلصاقًا في الفاء من " يعطف " .