محمد بن جرير الطبري

439

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

القول في تأويل قوله : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ } قال أبو جعفر : زعم بعض المنسوبين إلى العلم بلغات العرب من أهل البصرة ( 1 ) : أن تأويل قوله : " وإذ قال ربك " ، وقال ربك ؛ وأن " إذ " من الحروف الزوائد ، وأن معناها الحذف . واعتلّ لقوله الذي وصفنا عنه في ذلك ببيت الأسود بن يَعْفُر : فَإِذَا وَذَلِكَ لامَهَاهَ لِذِكْرهِ . . . وَالدَّهْرُ يُعْقِب صَالِحًا بِفَسَادِ ( 2 )

--> ( 1 ) هو أبو عبيدة ( انظر تفسير ابن كثير 1 : 125 ) ، وكما مضى آنفًا في مواضع من كلام الطبري . ويؤيد ذلك أن البغدادي نقل في شرح بيت عبد مناف بن ربعي ، ( الخزانة 3 : 171 ) ، عن ابن السيد : " وقال أبو عبيدة : إذا ، زائدة ، فلذلك لم يؤت لها بجواب " . هذا والشاهدان الآتيان في زيادة " إذا " لا في زيادة " إذ " ، وهو من جرأة أبي عبيدة وخطئه ، وأيا ما كان قائله ، فهو جريء مخطئ . ( 2 ) المفضليات ، القصيدة رقم : 44 ، وليس البيت في رواية ابن الأنباري شارح المفضليات . وقوله " لامهاه " ، يقال : ليس لعيشنا مهه ( بفتحتين ) ومهاه : أي ليس له حسن أو نضارة . وقد زعموا أن الواو في قوله " فإذا وذلك . . " زائدة مقحمة ، كأنه قال : فإذا ذلك . . . ، وقد قال الطبري في تفسير قوله تعالى : " حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين " ج 24 ص 24 : " واختلف أهل العربية في موضع جواب " إذا " التي في قوله : ( حتى إذا جاءوها ) ، فقال بعض نحويي البصرة ، يقال إن قوله : ( وقال لهم خزنتها ) في معنى : قال لهم . كأنه يلغى الواو . وقد جاء في الشعر شيء يشبه أن تكون الواو زائدة ، كما قال الشاعر : فَإِذَا وَذَلِكَ يَا كُبَيْشَةُ لَمْ يَكُنْ . . . إِلا تَوَهُّمَ حَالِمٍ بِخَيَالِ فيشبه أن يكون يريد : فإذا ذلك لم يكن " . وقال أبو سعيد السكري في شرح أشعار الهذليين 2 : 100 ، في شرح بيت أبي كبير الهذلي : فَإِذَا وَذَلِكَ لَيْسَ إِلا حِينَهُ . . . وَإِذَا مَضَى شَيْءٌ كَأَنْ لَمْ يُفْعَلِ قال أبو سعيد : " الواو زائدة . قال : قلت لأبي عمرو : يقول الرجل : ربنا ولك الحمد . فقال : يقول الرجل : قد أخذت هذا بكذا وكذا . فيقول : وهو لك " . وقال ابن الشجري في أماليه 1 : 358 : " قيل في الآية إن الواو مقحمة ، وليس ذلك بشيء ، لأن زيادة الواو لم تثبت في شيء من الكلام الفصيح " . والذي ذهب إليه ابن الشجري هو الصواب ، ولكل شاهد مما استشهدوا به وجه في البيان ، ليس هذا موضع تفصيله . وكفى برد الطبري في هذا الموضع ما زعمه أبو عبيدة من زيادة " إذ " كما سيأتي : " وغير جائز إبطال حرف كان دليلا على معنى في الكلام " إلى آخر ما قال . وهو من سديد الفهم . وشرحه للبيت بعد ، يدل على أنه لا يرى زيادة الواو ، وذلك قوله في شرحه : " فإذا الذي نحن فيه ، وما مضى من عيشنا " .