محمد بن جرير الطبري
433
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وقال بعضهم : السماء وإن كانت سماء فوق سماء وأرضًا فوق أرض ، فهي في التأويل واحدةٌ إن شئت ، ثم تكون تلك الواحدة جماعًا ، كما يقال : ثوبٌ أخلاقٌ وأسمالٌ ، وبُرْمة أعشار ، للمتكسرة ، وبُرْمة أكسار وأجبار . وأخلاق ، أي أنّ نواحيه أخلاق ( 1 ) . فإن قال لنا قائل : فإنك قد قلت إن الله جل ثناؤه استوَى إلى السماء وهي دخان قبل أن يسويها سبع سماوات ، ثم سواها سبعًا بعد استوائه إليها ، فكيف زعمت أنها جِماع ؟ قيل : إنهن كنّ سبعًا غيرَ مستويات ، فلذلك قال جل ذكره : فسوَّاهن سبعًا . كما : - 590 - حدثني محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، قال : قال محمد بن إسحاق : كان أوّلَ ما خلق الله تبارك وتعالى النورُ والظلمةُ ، ثم ميَّز بينهما ، فجعل الظلمة ليلا أسود مظلمًا ، وجعل النور نهارًا مضيئًا مبصرًا ، ثم سمك السماوات السبع من دخان - يقال ، والله أعلم ، من دخان الماء - حتى استقللن ولم يحبُكْهن ( 2 ) . وقد أغطش في السماء الدنيا ليلها ، وأخرج ضُحاها ، فجرى فيها الليل والنهار ، وليس فيها شمس ولا قمر ولا نجوم . ثم دحا الأرض وأرْساها بالجبال ، وقدر فيها الأقوات ، وبث فيها ما أراد من الخلق ، ففرَغ من الأرض وما قدر فيها من أقواتها في أربعة أيام . ثم استوى إلى السماء وهي دخان - كما قال - فحبكهن ، وجعل في السماء الدنيا شمسها وقمرها ونجومها ، وأوحى في كل سماء أمرها ، فأكمل
--> ( 1 ) أخلاق ، جمع خلق ( بفتحتين ) : وهو البالي . وأسمال جمع سمل ( بفتحتين ) : وهو الرقيق المتمزق البالي . وبرمة أجبار ، ضد قولهم برمة أكسار ، كأنه جمع برمة جبر ( بفتح فسكون ) وإن لم يقولوه مفردًا ، كما لم يقولوا برمة كسر ، مفردًا . وأصله من جبر العظم ، وهو لأمه بعد كسره . ( 2 ) في المخطوطة : " ولم يحبكن " .