محمد بن جرير الطبري

427

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وقوله : " هو " مكنيّ من اسم الله جل ذكره عائد على اسمه في قوله : " كيف تكفرون بالله " . ومعنى خلقه ما خلق جلّ ثناؤه ، إنشاؤه عينه ، وإخراجه من حال العدم إلى الوجود . و " ما " بمعنى " الذي " . فمعنى الكلام إذًا : كيف تكفرون بالله وكنتم نُطفًا في أصلاب آبائكم فجعلكم بشرًا أحياءً ، ثم يميتكم ، ثم هو مُحييكم بعد ذلك وباعثكم يوم الحشر للثواب والعقاب ، وهو المنعمُ عليكم بما خلق لكم في الأرض من معايشكم وأدلتكم على وحدانية ربكم . و " كيف " بمعنى التعجب والتوبيخ ، لا بمعنى الاستفهام ، كأنه قال : ويْحَكم كيف تكفرون بالله ، كما قال : ( فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ) [ سورة التكوير : 26 ] . وحل قوله : " وكنتم أمواتًا فأحياكم " محلّ الحال . وفيه ضميرُ " قد " ( 1 ) ، ولكنها حذفت لما في الكلام من الدليل عليها . وذلك أن " فعل " إذا حلت محلّ الحال كان معلومًا أنها مقتضية " قد " ، كما قال ثناؤه : ( أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ) [ سورة النساء : 90 ] ، بمعنى : قد حَصِرَت صدورهم . وكما تقول للرجل : أصبحتَ كثرت ماشيتك ، تريد : قد كثرت ماشيتك . وبنحو الذي قلنا في قوله : " هو الذي خلقَ لكم ما في الأرض جميعًا " ، كان قتادة يقول : 587 - حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة ، قوله : " هو الذي خلقَ لكم ما في الأرض جميعًا " ، نَعَمْ والله سخر لكم ما في الأرض ( 2 ) . * * *

--> ( 1 ) في المطبوعة " وفيه إضمار قد " ، ولم يرد بالضمير ما اصطلح عليه النحويون ، وإنما أراد المضمر الذي أخفى وستر . وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 23 - 25 . ( 2 ) الأثر : 587 - في الدر المنثور 1 : 42 ، والشوكاني 1 : 48 ، وفيهما زيادة على الذي في أصول الطبري ، وهي : " . . ما في الأرض جميعًا ، كرامةً من الله ونعمةً لابن آدم متاعًا ، وبُلْغةً ومنفعة إلى أجل " . هذا وقد زادا معًا أثرًا آخر قالا أخرجه ابن جرير عن مجاهد ، هذا هو : " في قوله : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ، قال : سخّر لكم ما في الأرض جميعًا " . وإسناد هذا الأثر ، هو الذي يأتي برقم : 591 ، لأنه من تمامه ، كما هو بين فيما نقله السيوطي والشوكاني . ويوشك أن يكون في نسخ الطبري التي بين أيدينا حذف ألجأ النساخ إليه طول الكتاب ، فقد مضى آنفًا مثل هذا النقص ، ومثل هذه الزيادة