محمد بن جرير الطبري

426

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

في المنيبين إليه بالتوبة ، وقضائه في المستكبرين عن الإنابة ، إعذارًا من الله بذلك إليهم ، وإنذارًا لهم ، ليتدبروا آياته وليتذكر منهم أولو الألباب . وخاصًّا أهلَ الكتاب - بما ذَكر من قصص آدم وسائر القصص التي ذكرها معها وبعدها ، مما علمه أهل الكتاب وجهلته الأمة الأميَّة من مشركي عبَدة الأوثان - بالاحتجاج عليهم - دون غيرهم من سائر أصناف الأمم ، الذين لا علم عندهم بذلك - لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ( 1 ) ، ليعلموا بإخباره إياهم بذلك ، أنه لله رسولٌ مبعوث ، وأن ما جاءهم به فمن عنده ، إذْ كان ما اقتص عليهم من هذه القصص ، من مكنون علومهم ، ومصون ما في كتبهم ، وخفيّ أمورهم التي لم يكن يدّعي معرفة علمها غيرُهم وغيرُ من أخذ عنهم وقرأ كتبهم . * * * وكان معلومًا من محمد صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن قط كاتبًا ، ولا لأسفارهم تاليًا ، ولا لأحد منهم مصاحبًا ولا مجالسًا ، فيمكنهم أن يدّعوا أنه أخذ ذلك من كتبهم أو عن بعضهم ، فقال جل ذكره - في تعديده عليهم ما هم فيه مقيمون من نعمه ، مع كفرهم به ، وتركهم شكرَه عليها بما يجب له عليهم من طاعته - : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) [ سورة البقرة : 29 ] . فأخبرهم جل ذكره أنه خلق لهم ما في الأرض جميعًا ، لأنّ الأرضّ وجميعَ ما فيها لبني آدم منافعُ . أما في الدين ، فدليلٌ على وحدانية ربهم ، وأما في الدنيا فمعاشٌ وبلاغ لهم إلى طاعته وأداء فرائضه . فلذلك قال جل ذكره : " هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا " .

--> ( 1 ) سياق هذه العبارة : " وخاصًّا أهل الكتاب . . بالاحتجاج عليهم . . لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم " . وما بين هذه الأحرف المتعلقة بمراجعها ، فصل متتابع ، كعادة الطبري في كتابته .