محمد بن جرير الطبري

425

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

بالإحسان ، وقد كنتم نطفًا أمواتًا في أصلاب آبائكم ، فأنشأكم خلقًا سويًّا ، وجعلكم أحياءً ، ثم أماتكم بعد إنشائكم . فقد علمتم أن مَنْ فعل ذلك بقدرته ، غير مُعجزِه - بالقدرة التي فعل ذلك بكم - إحياؤكم بعد إماتتكم ] ( 1 ) وإعادتكم بعد إفنائكم ، وحشركم إليه لمجازاتكم بأعمالكم . ثم عدّد ربنا تعالى ذكره عليهم وعلى أوليائهم من أحبار اليهود - الذين جمع بين قصَصهم وقصَص المنافقين في كثير من آي هذه السورة التي افتتح الخبرَ عنهم فيها بقوله : " إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تُنذرْهم لا يؤمنون " - ( 2 ) نِعَمَه التي سلفت منه إليهم وإلى آبائهم ، التي عَظُمتْ منهم مواقعها . ثم سلب كثيرًا منهم كثيرًا منها ، بما ركبوا من الآثام ، واجترموا من الأجْرام ، وخالفوا من الطاعة إلى المعصية ، محذّرَهم بذلك تعجيلَ العقوبة لهم ، كالتي عجلها للأسلاف والأفْراط قبلهم ، ومُخوّفَهم حُلول مَثُلاتِه بساحتهم كالذي أحلّ بأوّليهم ، ومُعرّفَهم ما لهم من النجاة في سرعة الأوْبة إليه ، وتعجيل التوبة ، من الخلاص لهم يوم القيامة من العقاب ( 3 ) . فبدأ بعد تعديده عليهم ما عدّد من نعمه التي هم فيها مُقيمون ، بذكر أبينا وأبيهم آدم أبي البشر صلوات الله عليه ، وما سلف منه من كرامته إليه ، وآلائه لديه ، وما أحلّ به وبعدوّه إبليس من عاجل عقوبته بمعصيتهما التي كانت منهما ، ومخالفتهما أمره الذي أمرهما به . وما كان من تغمُّده آدمَ برَحمته إذْ تاب وأناب إليه . وما كان من إحلاله بإبليس من لعنته في العاجل ، وإعداده له ما أعدّ له من العذاب المقيم في الآجل ، إذ استكبر وأبى التوبة إليه والإنابة ، منبهًا لهم على حكمه

--> ( 1 ) ما بين القوسين ساقط من المطبوعة . ( 2 ) قوله " نعمه " مفعول قوله " ثم عدد ربنا . . " ، وما بينهما فصل . ( 3 ) في المطبوعة " يحذرهم بذلك . . . ويخوفهم . . . أحل بأوائلهم ، ويعرفهم " ، وانظر ما سيأتي في ص : 154 بولاق . وفي المخطوطة والمطبوعة : " من الخلاص . . " بغير واو ، هو لا يستقيم ، فلذلك زدناها . وقوله : " حلول مثلاته " جمع مثلة ( بفتح الميم وضم الثاء ) : وهي العقوبة والعذاب والنكال .