محمد بن جرير الطبري
412
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وما قرُب منها من بقايا بني إسرائيل ، ومن كان على شِركه من أهل النفاق الذين قد بينا قصَصهم فيما مضى من كتابنا هذا . وقد دللنا على أن قول الله جل ثناؤه : " إنّ الذين كفروا سواء عليهم " ، وقوله : " ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر " ، فيهم أنزِلت ، وفيمن كان على مثل الذي هم عليه من الشرك بالله . غيرَ أن هذه الآيات عندي ، وإن كانت فيهم نزلتْ ، فإنه معنيٌّ بها كل من كان على مثل ما كانوا عليه من الضّلال ، ومعنيٌّ بما وافق منها صفة المنافقين خاصّةً ، جميعُ المنافقين ( 1 ) ؛ وبما وافق منها صفة كفار أحبار اليهود ، جميعُ من كان لهم نظيرًا في كفرهم . وذلك أن الله جلّ ثناؤه يعم أحيانًا جميعَهم بالصّفة ، لتقديمه ذكر جميعهم في أول الآيات التي ذكرتْ قَصَصهم ، ويخصّ أحيانا بالصفة بعضَهم ، لتفصيله في أول الآيات بين فريقيْهم ، أعني : فريقَ المنافقين من عبدة الأوثان وأهل الشرك بالله ، وفريقَ كفار أحبار اليهود . فالذين ينقضون عهدَ الله ، هم التاركون ما عهد الله إليهم من الإقرار بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ، وتبيين نبوته للناس ، الكاتمون بيان ذلك بعدَ علمهم به ، وبما قد أخذَ الله عليهم في ذلك ، كما قال الله جل ذكره : ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ) [ سورة آل عمران : 187 ] ، ونبذُهم ذلك وراء ظهورهم ، هو نقضُهم العهدَ الذي عهد إليهم في التوراة الذي وصفناه ، وتركُهم العمل به . وإنما قلت : إنه عنى بهذه الآيات من قلتُ إنه عنى بها ، لأن الآيات - من مبتدأ الآيات الخمس والست من سورة البقرة ( 2 ) - فيهم نزلتْ ، إلى تمام قصصهم .
--> ( 1 ) سياق العبارة : " ومعنى جميع المنافقين ، بما وافق منها صفة المنافقين " وعبارة الطبري أعرب . ( 2 ) في المطبوعة : " من ابتداء الآيات " ، وكأنه تغيير من المصححين .