محمد بن جرير الطبري

413

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وفي الآية التي بعد الخبر عن خلق آدم وبيانِهِ في قوله ( 1 ) . ( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ) [ سورة البقرة : 40 ] . وخطابه إياهم جلّ ذكره بالوفاء في ذلك خاصّة دون سائر البشر ( 2 ) - ما يدل على أن قوله : " الذين ينقضُون عَهدَ الله من بعد ميثاقه " مقصودٌ به كفارهم ومنافقوهم ، ومن كان من أشياعهم من مشركي عبدة الأوثان على ضلالهم . غيرَ أنّ الخطاب - وإن كان لمن وصفتُ من الفريقين - فداخلٌ في أحكامهم ، وفيما أوجبَ الله لهم من الوعيد والذم والتوبيخ ، كلّ من كان على سبيلهم ومنهاجهم من جميع الخلق وأصناف الأمم المخاطبين بالأمر والنهي . فمعنى الآية إذًا : وما يُضِلّ به إلا التاركين طاعةَ الله ، الخارجين عن اتباع أمره ونهيه ، الناكثين عهود الله التي عهدها إليهم ، في الكتب التي أنزلها إلى رُسله وعلى ألسن أنبيائه ، باتباع أمر رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به ، وطاعة الله فيما افترض عليهم في التوراة من تبيين أمره للناس ، وإخبارِهم إياهم أنهم يجدونه مكتوبًا عندهم أنه رسولٌ من عند الله مفترضةٌ طاعتُه ، وترك كتمان ذلك لهم ( 3 ) . ونكثُهم ذلك ونقضُهم إياه ، هو مخالفتهم الله في عهده إليهم - فيما وصفتُ أنه عهد إليهم - بعد إعطائهم ربهم الميثاقَ بالوفاء بذلك . كما وصفهم به ربنا تعالى ذكره بقوله : ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ ) . [ سورة الأعراف : 169 ] .

--> ( 1 ) في المطبوعة " عن خلق آدم وأبنائه في قوله " ، وهو خطأ محض . وقوله " وبيانه " ، مجرور معطوف على قوله : " وفي الآية التي بعد الخبر . . " أي ، " وفي بيانه في قوله : . . " . ( 2 ) قوله : " وخطابه " مجرور معطوف على قوله : " وفي الآية . . " و " وبيانه . . " كما أسلفنا في التعليق قبله . وفي المطبوعة : " في ذلك خاصة " . ولست بشيء . ( 3 ) هكذا في الأصول ، ولعل الأجود أن يقول : وترك كتمان ذلك عنهم .