محمد بن جرير الطبري

388

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

الجنة ! وكيف يجوز أن يقولوا لأول رزق رُزقوه من ثمارها ولمَّا يتقدمه عندهم غيره : هذا هو الذي رُزقناه من قبل ؟ إلا أن ينسُبهم ذُو غَيَّة وضَلال إلى قيل الكذب الذي قد طهرهم الله منه ( 1 ) ، أو يدفعَ دافعٌ أن يكونَ ذلك من قيلهم لأول رزق رُزقوه منها مِن ثمارها ، فيدفعَ صحة ما أوجب الله صحّته بقوله : " كلما رُزقوا منها من ثمرة رزقًا " ، من غير نَصْب دلالة على أنه معنيّ به حالٌ من أحوال دون حال . فقد تبيّن بما بيَّنا أنّ معنى الآية : كلما رُزق الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ثمرة من ثمار الجنة في الجنة رزقًا قالوا : هذا الذي رُزقنا من قبل هذا في الدنيا ( 2 ) . فإن سألنا سائل ، فقال : وكيف قال القوم : هذا الذي رُزقنا من قبل ، والذي رُزقوه من قبل قد عُدم بأكلهم إياه ؟ وكيف يجوز أن يقول أهل الجنة قولا لا حقيقة له ؟ قيل : إن الأمر على غير ما ذهبتَ إليه في ذلك . وإنما معناه : هذا من النوع الذي رُزقناه من قَبل هذا ، من الثمار والرزق . كالرجل يقول لآخر : قد أعدّ لك فلانٌ من الطعام كذا وكذا من ألوان الطبيخ والشواء والحلوى . فيقول المقول له ذاك : هذا طعامي في منزلي . يعني بذلك : أن النوع الذي ذكر له صاحبه أنه أعدّه له من الطعام هو طعامُه ، لا أنّ أعيانَ ما أخبره صاحبه أنه قد أعده له ، هو طعامه . بل ذلك مما لا يجوز لسامع سَمعه يقول ذلك ، أن يتوهم أنه أراده أو قصدَه ، لأن ذلك خلافُ مَخرَج كلام المتكلم . وإنما يوجَّه كلام كلّ متكلم إلى المعروف في الناس من مخارجه ، دون المجهول من معانيه . فكذلك ذلك في قوله : " قالوا هذا الذي رُزقنا من قبل " ، إذ كان ما كانوا رُزقوه من قبل قد فني وعُدِم . فمعلوم أنهم عَنَوْا بذلك : هذا من النوع الذي رُزقناه من قبل ، ومن جنسه

--> ( 1 ) في المطبوعة مكان قوله : " ذو غية " ، " ذو غرة " ، وفي المخطوطة : " ذو عته " . والعته : نقص العقل ، أو الجنون ، وأجودهن ما أثبته عن كتاب حادي الأرواح لابن قيم الجوزية 1 : 268 ، حيث نقل نص الطبري . ( 2 ) هذا التفصيل الذي ذكره الطبري من جيد النظر في معاني الكلام .