محمد بن جرير الطبري

364

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

القول في تأويل قوله : { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 21 ) } قال أبو جعفر : وتأويل ذلك : لعلكم تتقون بعبادتكم ربَّكم الذي خلقكم ، وطاعتِكم إياه فيما أمركم به ونهاكم عنه ، وإفرادكُم له العبادة ( 1 ) لتتقوا سَخَطه وغضَبه أن يَحلّ عليكم ، وتكونُوا من المتقين الذين رضي عنهم ربهم . وكان مجاهدٌ يقولُ في تأويل قوله : " لعلكم تتقون " : تُطيعون . 474 - حدثنا ابن وكيع ، قال : حدثني أبي ، عن سفيان ، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد ، في قوله : " لعلكم تتقون " ، قال : لعلكم تطيعون ( 2 ) . قال أبو جعفر : والذي أظن أنّ مجاهدًا أراد بقوله هذا : لعلكم أنْ تَتقوا رَبَّكم بطاعتكم إياه ، وإقلاعِكم عن ضَلالتكم . قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : فكيف قال جل ثناؤه : " لعلكم تتقون " ؟ أو لم يكن عالمًا بما يصيرُ إليه أمرُهم إذا هم عبدوه وأطاعُوه ، حتى قال لهم : لعلكم إذا فعلتم ذلك أن تتقوا ، فأخرج الخبر عن عاقبة عبادتهم إياه مخرج الشكّ ؟ قيل له : ذلك على غير المعنى الذي توهَّمتَ ، وإنما معنى ذلك : اعبدُوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ، لتتقوه بطاعته وتوحيده وإفراده بالربوبية والعبادة ( 3 ) ، كما قال الشاعر : وَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الْحُرُوبَ ، لَعَلَّنَا . . . نَكُفُّ ! وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مَوْثِقِ ( 4 ) فَلَمَّا كَفَفْنَا الْحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُكُمْ . . . كَلَمْحِ سَرَابٍ فِي الْفَلا مُتَأَلِّقِ ( 5 )

--> ( 1 ) في المطبوعة : " له بالعبادة " وهو خطأ . ( 2 ) الأثر 474 - في الدر المنثور 1 : 34 . ( 3 ) يريد الطبري أن العرب تستعمل " لعل " مجردة من الشك ، بمعنى لام كي ، كما قال ابن الشجري في أماليه 1 : 51 . ( 4 ) لم أعرف قائلهما ، ورواهما ابن الشجري نقلا عن الطبري ، فيما أرجح ، في أماليه 1 : 51 . ( 5 ) رواية ابن الشجري " في الملا " . والفلا جمع فلاة : وهي الأرض المستوية ليس فيها شيء والصحراء الواسعة . والملا : الصحراء والمتسع من الأرض - فهما سواء في المعنى .