محمد بن جرير الطبري

360

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ } قال أبو جعفر : وإنما خَص جل ذكره السمعَ والأبصارَ - بأنه لو شاء أذهبَها من المنافقين دون سائر أعضاء أجسامهم ( 1 ) - للذي جرَى من ذكرها في الآيتين ، أعني قوله : " يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق " ، وقوله : " يكادُ البرق يَخْطَفُ أبصارهم كلما أضاء لهم مَشَوْا فيه " ، فجرى ذكرها في الآيتين على وجه المثل . ثم عَقَّب جل ثناؤه ذكر ذلك ، بأنه لو شاء أذْهبه من المنافقين عقوبةً لهم على نفاقهم وكفرهم ، وعيدًا من الله لهم ، كما توعَّدهم في الآية التي قبلها بقوله : " والله مُحيط بالكافرين " ، واصفًا بذلك جل ذكره نفسَه ، أنه المقتدر عليهم وعلى جمعهم ، لإحلال سَخَطه بهم ، وإنزال نِقْمته عليهم ، ومُحذِّرَهم بذلك سَطوته ، ومخوِّفَهم به عقوبته ، ليتقوا بأسَه ، ويُسارعوا إليه بالتوبة . 470 - كما حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن حبير ، عن ابن عباس : " ولو شاء الله لذَهب بسمعهم وأبصارهم " ، لِمَا تركوا من الحق بعد معرفته ( 2 ) . 471 - وحدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس ، قال : ثم قال - يعني قال الله - في أسماعهم ، يعني أسماعَ المنافقين ، وأبصارِهم التي عاشوا بها في الناس : " ولو شاءَ الله لذَهب بسمعهم وأبصارهم " ( 3 ) . قال أبو جعفر : وإنما معنى قوله : " لذهب بسمعهم وأبصارهم " ، لأذهب سَمعَهم وأبصارَهم . ولكن العرب إذا أدخلوا الباء في مثل ذلك قالوا : ذهبتُ ببصره ، وإذا حذفوا الباء قالوا : أذهبتُ بصره . كما قال جل ثناؤه : ( آتِنَا غَدَاءَنَا ) [ سورة الكهف : 62 ] ، ولو أدخلت الباء في الغداء لقيل : ائتنا بغدَائنا ( 4 ) . قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : وكيف قيل : " لذهب بسمعهم " فوحَّد ، وقال : " وأبصارهم " فجمع ؟ وقد علمتَ أن الخبر في السمع خبرٌ عن سَمْع جماعة ( 5 ) ، كما الخبر عن الأبصار خبرٌ عن أبصار جماعة ؟ ( 6 ) قيل : قد اختلف أهل العربية في ذلك ، فقال بعض نحويي الكوفة : وحَّد السمعَ لأنه عَنَى به المصدرَ وقصَد به الخَرْق ، وجمع الأبصار لأنه عَنَى به الأعينَ . وكان بعض نحويي البصرة يزعم : أنّ السمع وإن كان في لفظ واحد ، فإنه بمعنى جماعة ( 7 ) . ويحتج في ذلك بقول الله : ( لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ) [ سورة إبراهيم : 43 ] ، يريد : لا ترتد إليهم أطرافهم ، وبقوله : ( وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) [ سورة القمر : 45 ] ،

--> ( 1 ) في المخطوطة : " دون سائر أجسامهم " . ( 2 ) الخبر 470 - من تمام الخبر الذي ساقه في الدر المنثور 1 : 32 - 33 ، وقد مضى صدره آنفًا : 451 ، 467 . ( 3 ) الأثر 471 - هو من الأثر السالف رقم : 460 . ( 4 ) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 19 . وانظر ما مضى ص 357 تعليق : 3 ( 5 ) في المخطوطة : " أن الخبر بالسمع " ، وهذه أجود ، وأجودهن " الخبر عن السمع " كما سيأتي في الذي يلي . ( 6 ) في المطبوعة : " كما الخبر في الأبصار " ، والذي في المخطوطة أجود . ( 7 ) في المخطوطة : " لمعنى جماعة " ، وهي صواب جيد .