محمد بن جرير الطبري
361
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
يراد به أدْبارُهم . وإنما جاز ذلك عندي ، لأن في الكلام ما يَدُلّ على أنه مُرادٌ به الجمع ، فكان في دلالته على المراد منه ، وأداء معنى الواحد من السمع عن معنى جماعة ، مُغنيًا عن جِمَاعه ( 1 ) . ولو فعل بالبصر نظيرَ الذي فعل بالسمع ، أو فعل بالسمع نظير الذي فعل بالأبصار - من الجمع والتوحيد - كان فصيحًا صحيحًا ، لما ذكرنا من العلة ، كما قال الشاعر : كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا . . . فَإِنَّ زَمَانَنَا زَمَنٌ خَمِيصُ ( 2 ) فوحّد البطن ، والمرادُ منه البطون ، لما وصفنا من العلة . * * * القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 20 ) } قال أبو جعفر : وإنما وَصف الله نفسه جلّ ذكره بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع ، لأنه حذَّر المنافقين بأسه وسطوته ، وأخبرهم أنه بهم مُحيطٌ ، وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قَديرٌ . ثم قال : فاتقوني أيُّها المنافقون ، واحذرُوا خِداعي وخداعَ رسولي وأهلِ الإيمان بي ، لا أحِلَّ بكم نقمتي ، فإني على ذلك وعلى غيره من الأشياء قدير . ومعنى " قدير " قادر ، كما معنى " عليم " عالم ، على ما وصفتُ فيما
--> ( 1 ) في المطبوعة : " فكان فيه دلالة على المراد منه ، وأدى معنى الواحد من السمع عن معنى جماعة ، مغنيًا عن جماعة " ، وهو كلام لا معنى له . وفي المخطوطة : " . . على المراد منه واوا معنى الواحد . . " ، وقد صححت قراءتها كما ترى . وقوله " مغنيًا عن جماعه " أي عن جمعه ، والطبري يكثر استعمال " جماع " مكان جمع ، كما مضى وكما سيأتي . ( 2 ) البيت من أبيات سيبويه التي لا يعلم قائلها ، سيبويه 1 : 108 ، والخزانة 3 : 379 - 381 ، وانظر أمالي ابن الشجري 1 : 311 ، 2 : 35 ، 38 ، 343 ، وروايته : " في نصف بطنكم " . وفي المخطوطة : " تعيشوا " ، مكان " تعفوا " ، وهي رواية ذكرها صاحب الخزانة . وروايتهم جميعًا " فإن زمانكم . . " .