محمد بن جرير الطبري
355
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
465 - حدثنا بذلك الحسن بن يحيى ، قال : حدثنا عبد الرزّاق ، قال : أنبأنا مَعْمَر ، عنه . وذلك مذهب من التأويل ضعيف ، لأن القوم لم يجعلوا أصابعهم في آذانهم حَذَرًا من الموت ، فيكون معناه ما قال إنه يراد به ( 1 ) ، حَذَرًا من الموت ، وإنما جعلوها من حِذَار الموت في آذانهم . وكان قتادةُ وابنُ جُريج يتأوّلان قوله : " يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حَذَر الموت " ، أن ذلك من الله جلّ ثناؤه صفةٌ للمنافقين بالهلع وضعف القلوب وكراهة الموت ، ويتأولان في ذلك قوله : ( يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ) [ سورة المنافقون : 4 ] . وليس الأمر في ذلك عندي كالذي قالا . وذلك أنه قد كان فيهم من لا تُنكر شجاعته ولا تُدفع بسالته ، كقُزْمان ، الذي لم يَقم مقامه أَحدٌ من المؤمنين بأحُد ، أو دونه ( 2 ) . وإنما كانت كراهتُهم شُهود المشاهدِ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتركُهم مُعاونته على أعدائه ، لأنهم لم يكونوا في أديانهم مُستبصرين ، ولا برسول الله صلى الله عليه وسلم مصدِّقين ، فكانوا للحضور معه مَشاهدَه كارهين ، إلا بالتخذيل عنه ( 3 ) . ولكن ذلك وَصفٌ من الله جل ثناؤه لهم بالإشفاق من حُلول عقوبة الله بهم على نفاقهم ، إما عاجلا وإما آجلا . ثم أخبر جل ثناؤه أنّ
--> ( 1 ) في المطبوعة " مراد به " ، وهما سواء . ( 2 ) هذه الجملة في المخطوطة هكذا : " كقزمان الذي لم يقم مقامه من المؤمنين كثير أحد ودونه " وهي عبارة مبهمة . وقد أثبت ما في المطبوعة ، وجعلت " ودونه " ، " أو دونه " ليستقيم المعنى . ويدل على ذلك أن عدة الذين قتلوا يوم أحد من المشركين اثنان وعشرون رجلا ، قتل قزمان وحده منهم عشرة ، وقتل علي بن أبي طالب أربعة ، وقتل حمزة بن عبد المطلب ثلاثة ، وقتل عاصم ابن ثابت بن الأقلح رجلين ، وقتل سعد بن أبي وقاص رجلا واحدًا . وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل رجلا صبرًا ، وقتل آخر بيده صلى الله عليه وسلم . وقزمان حليف بني ظفر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه لمن أهل النار . فلما أبلى يوم أحد ، قيل له : أبشر ! قال : بماذا أبشر ؟ فوالله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي ! ولولا ذلك ما قاتلت . ولما اشتدت به جراحته وآذته ، أخذ سهمًا من كنانته فقتل به نفسه . ( 3 ) التخذيل : حمل الرجل على خذلان صاحبه ، وتثبيطه عن نصرته .