محمد بن جرير الطبري
352
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وهذه الأقوال التي ذكرنا عمن رويناها عنه ، فإنها - وإن اختلفت فيها ألفاظ قائليها - متقارباتُ المعاني ، لأنها جميعًا تُنبئ عن أن الله ضَرَب الصيِّب لظاهر إيمان المنافق مَثلا وَمثَّلَ ما فيه من ظلمات لضلالته ، وما فيه من ضياء برقٍ لنور إيمانه ( 1 ) ؛ واتقاءه من الصواعق بتصيير أصابعه في أذنيه ، لضَعف جَنانه ونَخْبِ فؤاده من حُلول عقوبة الله بساحته ( 2 ) ؛ وَمشيَه في ضوء البرق باستقامته على نور إيمانه ؛ وقيامَه في الظلام ، لحيرته في ضلالته وارتكاسه في عَمَهه ( 3 ) . فتأويل الآية إذًا - إذْ كان الأمر على ما وصفنا - أو مَثَلُ ما استضاء به المنافقون - من قيلهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بألسنتهم : آمنا بالله وباليوم الآخر وبمحمد وما جاء به ، حتى صار لهم بذلك في الدنيا أحكامُ المؤمنين ، وهم - مع إظهارهم بألسنتهم ما يُظهرون - بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله وباليوم الآخر ، مكذِّبون ، ولخلاف ما يُظهرون بالألسُن في قلوبهم معتقدون ، على عمًى منهم ، وجهالة بما هم عليه من الضلالة ، لا يدرون أيّ الأمرين اللذين قد شَرَعا لهم [ فيه ] الهداية ( 4 ) ، أفي الكفر الذي كانوا عليه قبل إرسال الله محمدًا صلى الله عليه وسلم بما أرسله به إليهم ، أم في الذي أتاهم به محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربهم ؟ فهم من وعيد الله إياهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وَجِلون ، وهم مع وجلهم من ذلك في حقيقته شاكُّون ، في قلوبهم مَرَض فزادهمُ الله مَرَضًا . كمثل غَيثٍ سَرى ليلا في مُزنة ظلماء
--> ( 1 ) في المخطوطة : " بضلالته . . . بنور إيمانه " . ( 2 ) في المطبوعة : " وتحير فؤاده " . والنخب : الجبن وضعف القلب . ورجل نخب ونخيب ومنخوب الفؤاد : جبان لا خير فيه ، كأنه منتزع الفؤاد ، فلا فؤاد له . ( 3 ) في المطبوعة : " باستقامته . . بحيرته في ضلالته . . " ( 4 ) في المخطوطة : " سرعا " غير واضحة ولا منقوطة . ولعل الصواب " شرعا " من قولهم شرعت الإبل الماء : أي دخلته وخاضت فيه لتشرب منه . والمنافق يخوض في الإيمان بلسانه وفي الكفر بقلبه . وزدت ما بين القوسين ليستقيم المعنى . وفي المطبوعة بعد : " الهداية في الكفر الذي كانوا عليه " ، بغير ألف الاستفهام ، وهو خطأ لا يستقيم .