محمد بن جرير الطبري

353

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وليلة مظلمة ( 1 ) يحدوها رعدٌ ، ويستطير في حافاتها برقٌ شديد لمعانه ( 2 ) ، كثير خَطرانه ( 3 ) ، يكاد سَنا برقه يَذهب بالأبصار ويختطفها من شدة ضيائه ونور شعاعه ، وينهبط منها تارات صواعقُ ، تكاد تَدَع النفوس من شدة أهوالها زَواهق . فالصيِّب مَثلٌ لظاهر ما أظهر المنافقون بألسنتهم من الإقرار والتصديق ، والظلمات التي هي فيه لظُلمات ما هم مستبطنون من الشك والتكذيب ومرض القلوب . وأما الرعدُ والصواعق ، فلِما هم عليه من الوَجَل من وعيد الله إياهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في آي كتابه ، إما في العاجل وإما في الآجل ، أنْ يحلّ بهم ، مع شكهم في ذلك : هل هو كائن أم غير كائن ؟ وهل له حقيقة أم ذلك كذبٌ وباطلٌ ؟ - مثلٌ ( 4 ) . فهم من وَجلهم ، أن يَكون ذلك حَقًّا ، يتقونه بالإقرار بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بألسنتهم ، مخافةً على أنفسهم من الهلاك ونزول النَّقِمَات ( 5 ) . وذلك تأويل قوله جل ثناؤه " يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حَذَرَ الموت " ، يعني بذلك : يتقون وَعيدَ الله الذي أنزله في كتابه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، بما يبدونه بألسنتهم من ظاهر الإقرار ، كما يتّقي الخائف أصواتَ الصواعق بتغطية أذنيه وتصيير أصابعه فيها ، حَذَرًا على نفسه منها . وقد ذكرنا الخبرَ الذي روي عن ابن مسعود وابن عباس أنهما كانا يقولان : إن المنافقين كانوا إذا حضروا مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخلوا أصابعهم

--> ( 1 ) في المطبوعة : " وليل مظلمة " ، وهو خطأ بين . ( 2 ) في المطبوعة والمخطوطة : " يحذوها " بالذال المعجمة ، وهو خطأ . وإنما هو من حداء السائق بإبله : وهو غناؤه لها وزجره إياها ، وهو يسوقها . جعل صوت الرعد حداء للسحاب . واستطار البرق : سطع وشق السحاب وانتشر في جوانب الغمام . ( 3 ) في المخطوطة : " خطواته " غير منقوطة ، وهو تحريف . من قولهم خطر بسيفه أو سوطه يخطر خطرانًا : إذا رفعه مرة ووضعه أخرى ، شبه شقائق البرق بالسوط يلمع مرة ويخفى أخرى . ( 4 ) قوله " مثل " خبر مبتدأ محذوف ، فسياق الجملة كما ترى : أما الرعد والصواعق ، فمثل لما هم عليه من الوجل . . ( 5 ) النقمات : جمع نقمة مثل كلمات وكلمة ، وهي العقوبات .