محمد بن جرير الطبري

320

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

ثم حذف أسماء الأفعال وإضافة المثَل والتشبيه إلى الذين لهم الفعل . فيقال : ما أفعالكم إلا كفِعل الكلب ، ثم يحذف فيقال : ما أفعالكم إلا كالكلب أو كالكلاب ، - وأنت تعني : إلا كفعل الكلب ، وإلا كفعل الكلاب . ولم يَجُزْ أن تقول : ما هم إلا نخلة ، وأنت تريد تشبيه أجسامهم بالنخل في الطُّول والتمام . وأما قوله : ( اسْتَوْقَدَ نَارًا ) ، فإنه في تأويل : أوقدَ ، كما قال الشاعر : وَدَاعٍ دَعَا : يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النَّدَى . . . فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ ( 1 ) يريد : فلم يُجبه . فكان معنى الكلام إذًا : مَثلُ استضاءة هؤلاء المنافقين - في إظهارهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بألسنتهم ، من قولهم : آمنَّا بالله وباليوم الآخر ، وصدَّقنا بمحمد وبما جاء به ، وهم للكفر مستبطنون - فيما الله فاعل بهم ( 2 ) مثل استضاءة موقِد نارٍ بناره ، حتى أضاءت له النارُ ما حوله ، يعني : ما حول المستوقِدِ . وقد زعم بعضُ أهل العربية من أهل البصرة : أن " الذي " في قوله : " كمثل الذي اسْتَوْقَدَ نَارًا " بمعنى الذين ، كما قال جل ثناؤه : ( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) [ سورة الزمر : 33 ] ، وكما قال الشاعر : فَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ . . . هُمُ الْقَوْمُ كُلُّ الْقَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ ( 3 ) قال أبو جعفر : والقول الأول هو القول ، لما وصفنا من العِلة . وقد أغفل قائل

--> ( 1 ) الشعر لكعب بن سعد الغنوي . الأصمعيات : 14 ، وأمالي القالي 2 : 151 ، وهي من حسان قصائد الرثاء . ( 2 ) سياق عبارته : " مثل استضاءة هؤلاء . . . فيما الله فاعل بهم ، مثل استضاءة . . " . ( 3 ) الشعر للأشهب بن رميلة . الخزانة 2 : 507 - 508 ، والبيان 4 : 55 ، وسيبويه 1 : 96 ، والمؤتلف والمختلف للآمدي : 33 ، وذكر البغدادي أن أبا تمام أنشد البيت في أبيات لحريث بن محفض ، في كتابه " مختار أشعار القبائل " . وروايته : " وإن الألى " . ولا شاهد فيه . وهم يقولون إن النون حذفت من " الذين " ، فصارت " الذي " لطول الكلام وللتخفيف ، وهي بمعنى الجمع لا المفرد . وفلج : واد بين البصرة وحمى ضرية ، كانت فيه هذه الوقعة التي ذكرها .