محمد بن جرير الطبري
321
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
ذلك فرقَ ما بين " الذي " في الآيتين وفي البيت . لأن " الذي " في قوله : " والذي جاء بالصدق " ، قد جاءت الدّلالة على أن معناها الجمع ، وهو قوله : ( أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) ، وكذلك " الذي " في البيت ، وهو قوله " دماؤهم " . وليست هذه الدلالة في قوله : " كمثل الذي اسْتَوْقَدَ نَارًا " . فذلك فَرْق ما بين " الذي " في قوله : " كمثل الذي اسْتَوْقَدَ نَارًا " ، وسائر شواهده التي استشهد بها على أنّ معنى " الذي " في قوله : " كمثل الذي استوْقَدَ نَارًا " بمعنى الجماع . وغير جائز لأحد نقل الكلمة - التي هي الأغلب في استعمال العرب على معنى - إلى غيره ، إلا بحجة يجب التسليم لها . ثم اختلفت أهل التأويل في تأويل ذلك . فرُوِي عن ابن عباس فيه أقوال : أحدها - ما : 386 - حدثنا به محمد بن حُميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : ضرب الله للمنافقين مَثلا فقال : ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ ) أي يُبصرون الحق ويقولون به ، حتى إذا خَرجوا به من ظلمة الكفر أطفئوه بكُفرهم ونفاقِهم فيه ، فتركهم في ظلمات الكفر ، فهم لا يبصرون هدى ولا يستقيمون على حق . والآخر - ما : 387 - حدثنا به المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا أبو صالح ، قال : حدثنا معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) إلى آخر الآية : هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزُّون بالإسلام ، فيناكحُهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء ، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العزَّ ، كما سلب صاحب النار ضَوءَه . ( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ ) يقول : في عذاب .