محمد بن جرير الطبري

3

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

بسم الله الرحمن الرحيم بركة من الله وأمر قرئ على أبي جعفر محمد بن جرير الطَّبري في سنة ست وثلثمئة ، قال : الحمد لله الذي حَجَّت الألبابَ بدائعُ حِكَمه ، وخَصَمت العقولَ لطائفُ حُججه ( 1 ) وقطعت عذرَ الملحدين عجائبُ صُنْعه ، وهَتفتْ في أسماع العالمينَ ألسنُ أدلَّته ، شاهدةٌ أنه الله الذي لاَ إله إلا هو ، الذي لاَ عِدْلَ له معادل ( 2 ) ولا مثلَ له مماثل ، ولا شريكَ له مُظاهِر ، ولا وَلدَ له ولا والد ، ولم يكن له صاحبةٌ ولا كفوًا أحدٌ ؛ وأنه الجبار الذي خضعت لجبروته الجبابرة ، والعزيز الذي ذلت لعزّته الملوكُ الأعزّة ، وخشعت لمهابة سطوته ذَوُو المهابة ، وأذعنَ له جميعُ الخلق بالطاعة طوْعًا وَكَرْهًا ، كما قال الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه : { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ } [ سورة الرعد : 15 ] . فكل موجود إلى وَحدانيته داع ، وكل محسوس إلى رُبوبيته هاد ، بما وسَمهم به من آثار الصنعة ، من نقص وزيادة ، وعجز وحاجة ، وتصرف في عاهات عارضة ، ومقارنة أحداث لازمة ، لتكونَ له الحجة البالغة . ثم أرْدف ما شهدتْ به من ذلك أدلَّتُه ، وأكد ما استنارت في القلوب منه بهجته ، برسلٍ ابتعثهم إلى من يشاء من عباده ، دعاةً إلى ما اتضحت لديهم صحّته ، وثبتت في العقول حجته ، { لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } [ سورة النساء : 165 ]

--> ( 1 ) حاجه يحاجه : نازعه الحجة ، وحجه يحجه : غلبه على حجته . وخاصمه : جادله بالحجة والبرهان ، وخصمه : غلبه وظهرت حجته على حجته . واللطائف : جمع لطيفة ، وكل شيء دقيق محكم وغامض خفي ، يحتاج إلى الرفق والتأني في إدراكه ، فهو لطيف . ( 2 ) العدل ( بكسر العين وفتحها وسكون الدال ) والعديل : النظير والمثيل . وعادله : ساواه وماثله .