محمد بن جرير الطبري

4

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وليذَّكَّر أولو النهي والحلم . فأمدَّهم بعوْنه ، وأبانهم من سائر خلقه ، بما دل به على صدقهم من الأدلة ، وأيدهم به من الحجج البالغة والآي المعجزة ، لئلا يقول القائل منهم ( 1 ) { مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ } [ سورة المؤمنون : 33 - 34 ] فجعلهم سفراءَ بينه وبين خلقه ، وأمناءه على وحيه ، واختصهم بفضله ، واصطفاهم برسالته ، ثم جعلهم - فيما خصهم به من مواهبه ، ومنّ به عليهم من كراماته - مراتبَ مختلفة ، ومنازل مُفترقة ، ورفع بعضهم فوق بعض درجات ، متفاضلات متباينات . فكرَّم بعضهم بالتكليم والنجوى ، وأيَّد بعضهم برُوح القدس ، وخصّه بإحياء الموتى ، وإبراء أولى العاهة والعمى ، وفضَّل نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم ، من الدرجات بالعليا ، ومن المراتب بالعُظمى . فحباه من أقسام كرامته بالقسم الأفضل ( 2 ) وخصه من درجات النبوّة بالحظ الأجزَل ، ومن الأتباع والأصحاب بالنصيب الأوفر . وابتعثه بالدعوة التامة ، والرسالة العامة ، وحاطه وحيدًا ، وعصمه فريدًا ، من كل جبار عاند ، وكل شيطان مارد ( 3 ) حتى أظهر به الدّين ، وأوضح به السبيل ، وأنهج به معالم الحق ، وَمَحق به منار الشِّرك . وزهق به الباطلُ ، واضمحل به الضلالُ وخُدَعُ الشيطان وعبادةُ الأصنام والأوثان ( 4 ) مؤيدًا بدلالة على الأيام باقية ، وعلى الدهور والأزمان ثابتة ، وعلى مَرِّ الشهور والسنين دائمة ، يزداد ضياؤها على كرّ الدهور إشراقًا ، وعلى مرّ الليالي والأيام

--> ( 1 ) في المطبوع : " القائل فيهم " ، ومثل هذا التبديل كثير في المطبوع ، سأغفل منه ما شئت لكثرته ، وطلبا للاختصار في التعليق بما لا غناء فيه . ( 2 ) الأقسام : جمع قسم ( بكسر فسكون ) ، وهو الحظ والنصيب من الخير . ( 3 ) الجبار العنيد والعاند : الذي جار ومال عن طريق الحق ، ثم عتا وطغا وجاوز قدره . والمارد : الذي مرن على الشر حتى بلغ الغاية ، فتطاول عتوا وتجبرًا . ( 4 ) في المخطوطة : " وجدع " بالجيم مضمومة ، من جدع الأنف ، وهو قطعها ، كناية عن الإذلال . ولا أظنها جيدة هنا . والخدع جمع خدعة ( بضم فسكون ) : وهي ما يخدع به من المكر والختل .