محمد بن جرير الطبري

278

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

عَقَّوْا بِسَهمٍ وَلَمْ يَشْعُر بِهِ أَحَدٌ . . . ثُمَّ اسْتَفَاءُوا وَقَالُوا : حَبَّذَا الوَضَحُ ( 1 ) يعني بقوله : لم يَشعر به ، لم يدر به أحد ولم يعلم . فأخبر الله تعالى ذكره عن المنافقين : أنهم لا يشعرون بأن الله خادِعُهم ، بإملائه لهم واستدراجِه إياهم ، الذي هو من الله جل ثناؤه إبلاغٌ إليهم في الحجة والمعذرة ، ومنهم لأنفسهم خديعةٌ ، ولها في الآجل مَضرة . كالذي - : 321 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : سألت ابن زيد عن قوله : ( وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) ، قال : ما يشعرون أنهم ضَرُّوا أنفسهم ، بما أسَرُّوا من الكفر والنِّفاق . وقرأ قول الله تعالى ذكره : ( يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ) ، قال : هم المنافقون حتى بلغ ( وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ ) [ سورة المجادلة : 18 ] ، قد كان الإيمان ينفعهم عندكم ( 2 ) . * * * القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } قال أبو جعفر : وأصل المرَض : السَّقم ، ثم يقال ذلك في الأجساد والأديان . فأخبر الله جلّ ثناؤه أن في قلوب المنافقين مَرَضًا ، وإنما عنى تبارك وتعالى بخبره

--> ( 1 ) الشعر للمتنخل الهذلي ، ديوان الهذليين 2 : 31 ، وأمالي القالي 1 : 248 ، وسمط اللآلئ 563 . عقى بالسهم : رمى به في السماء لا يريد به شيئًا ، وأصله في الثأر والدية ، وذلك أنهم كانوا يجتمعون إلى أولياء المقتول بدية مكملة ، ويسألونهم قبول الدية . فإن كانوا أقوياء أبوا ذلك ، وإلا أخذوا سهمًا ورموا به في السماء ، فإن عاد مضرجًا بدم ، فقد زعموا أن ربهم نهاهم عن أخذ الدية . وإن رجع كما صعد ، فقد زعموا أن ربهم أمرهم بالعفو وأخذ الدية . وكل ذلك أبطل الإسلام . وفاء واستفاء : رجع . والوضح : اللبن . يهجوهم بالذلة والدناءة ، فأهدروا دم قتيلهم ، ورموا بالسهم الذي يزعمونه يأمرهم وينهاهم ، ورجعوا عن طلب الترة إلى قبول الدية ، وآثروا إبل الدية وألبانها على دم قاتل صاحبهم ، وقالوا في أنفسهم : اللبن أحب إلينا من القود وأنفع . ( 2 ) الأثر 321 - هو تمام الأثر الذي سلف : 320 .