محمد بن جرير الطبري

279

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

عن مرض قلوبهم ، الخبرَ عن مرض ما في قلوبهم من الاعتقاد = ولكن لمّا كان معلومًا بالخبَر عن مرض القلب ، أنَّه معنىٌّ به مرضُ ما هم معتقدُوه من الاعتقاد - استغنى بالخبَر عن القلب بذلك = والكفاية عن تصريح الخبَر عن ضمائرهم واعتقاداتهم ( 1 ) كما قال عُمر بن لَجَأ : وَسَبَّحَتِ الْمَدِينَةُ ، لا تَلُمْهَا ، . . . رَأَتْ قَمَرًا بِسُوقِهِمُ نَهَارَا ( 2 ) يريد : وسبَّح أهل المدينة ، فاستغنى بمعرفة السامعين خَبَرَه بالخبَرِ عن المدينة ، عن الخبر عن أهلها . ومثله قول عنترة العبسي : هَلا سَأَلتِ الْخَيْلَ يَا ابْنَةَ مَالِكٍ ? . . . إنْ كُنْتِ جَاهِلَةً بِمَا لَمْ تَعْلَمِي ( 3 ) يريد : هلا سألتِ أصحاب الخيل ؟ ومنه قولهم : " يا خَيْلَ الله اركبي " ، يراد : يا أصحاب خيل الله اركبوا . والشواهد على ذلك أكثر من أن يُحصيها كتاب ، وفيما ذكرنا كفاية لمن وُفِّق لفهمه . فكذلك معنى قول الله جل ثناؤه : ( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) إنما يعني : في اعتقاد قلوبهم الذي يعتقدونه في الدين ، والتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبما جاء به من عند الله - مَرَض وسُقْم . فاجتزأ بدلالة الخبَر عن قلوبهم على معناه ، عن تصريح الخبر عن اعتقادهم . والمرضُ الذي ذكر الله جل ثناؤه أنّه في اعتقاد قلوبهم الذي وصفناه : هو شكُّهم في أمر محمد وما جاء به من عند الله ، وتحيُّرُهم فيه ، فلا هم به موقنون إيقان إيمان ، ولا هم له منكرون إنكارَ إشراك ، ولكنهم ، كما وصفهم الله عز وجل ، مُذَبْذَبُونَ بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ( 4 ) كما يقال : فلانٌ يمَرِّضُ في هذا الأمر ،

--> ( 1 ) في المطبوعة : " والكناية عن تصريح الخبر . . . " ، وقوله : " والكفاية عن تصريح الخبر . . . " معطوف على قوله " الخبر عن مرض ما في قلوبهم . . . " ( 2 ) يأتي البيت في تفسير آية البقرة : 110 ( 1 : 391 بولاق ) . ( 3 ) في معلقته المشهورة . ( 4 ) تضمين آية سورة النساء : 143 .