محمد بن جرير الطبري
273
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
بلسانه من القول والتصديق ، خلافَ الذي في قلبه من الشكّ والتكذيب ، ليدْرَأ عن نفسه ، بما أظهر بلسانه ، حكمَ الله عز وجلّ - اللازمَ مَن كان بمثل حاله من التكذيب ، لو لم يُظْهِرْ بلسانه ما أظهرَ من التصديق والإقرار - من القَتْل والسِّباء . فذلك خِداعُه ربَّه وأهلَ الإيمان بالله . فإن قال قائل : وكيف يكون المنافق لله وللمؤمنين مُخادِعًا ، وهو لا يظهر بلسانه خلافَ ما هو له معتقدٌ إلا تَقِيَّةً ؟ قيل : لا تمتنعُ العربُ من أنْ تُسمّي من أعطى بلسانه غيرَ الذي هو في ضميره تَقِيَّةً لينجو مما هو له خائف ، فنجا بذلك مما خافه - مُخادِعًا لمن تخلص منه بالذي أظهر له من التَّقيّة . فكذلك المنافق ، سمي مخادعًا لله وللمؤمنين ، بإظهاره ما أظهر بلسانه تقيَّةً ، مما تخلَّص به من القتل والسِّباء والعذاب العاجل ، وهو لغير ما أظهر مستبطِنٌ . وذلك من فعلِه - وإن كان خِدَاعًا للمؤمنين في عاجل الدنيا - فهو لنفسه بذلك من فعله خادعٌ ، لأنه يُظهر لها بفعله ذلك بها ، أنه يُعطيها أمنيَّتها ، وُيسقيها كأسَ سُرورها ، وهو مُورِدُها به حِياض عَطَبها ، ومجَرِّعها به كأس عَذابها ، ومُزِيرُها من غَضب الله وأليم عقابه ما لا قبل لها به ( 1 ) . فذلك خديعَتُه نفسه ، ظَنًّا منه - مع إساءته إليها في أمر معادها - أنه إليها محسن ، كما قال جل ثناؤه : " وما يخدَعُون إلا أنفسهم ومَا يشعُرُون " ، إعلامًا منه عبادَه المؤمنين أنَّ المنافقين بإساءتهم إلى أنفُسهم في إسخاطهم رَّبهم بكُفْرهم وشكِّهم وتكذيبهم - غيرُ شاعرين ولا دارين ، ولكنهم على عَمْيَاء من أمرِهم مُقيمون . وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك ، كان ابن زيد يقول . 320 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : سألت عبد الرحمن بن زيد عن قوله الله جل ذكره : ( يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) إلى
--> ( 1 ) في المطبوعة : " ومذيقها من غضب الله " ، وفي المخطوطة : " ومربدها . . . " ، وفي تفسير ابن كثير 1 : 87 " ومز برها . . . " ، والصواب ما أثبتناه ، وأزاره : حمله على الزيارة . وفي حديث طلحة : " . . . حتى أزرته شعوب " ، وشعوب هي المنية ، أي أوردته المنية فزارها . وجعلها زيارة ، وهي هلاك . سخرية بهم واستهزاء ، لقبح غرورهم بربهم ، وفرحهم بما مد لهم من العمر والمال والمتاع .