محمد بن جرير الطبري
274
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
آخر الآية ، قال : هؤلاء المنافِقُون ، يخادعون الله ورسولَه والذين آمنوا ، أنهم مؤمنون بما أظهروا ( 1 ) . وهذه الآية من أوضح الدليل على تكذيب الله جلّ ثناؤه الزاعمين : أن الله لا يُعذِّب من عباده إلا من كَفَر به عنادًا ، بعد علمه بوحدانيته ، وبعد تقرُّر صحة ما عاندَ ربّه تبارك وتعالى عليه مِن تَوْحيده ، والإقرار بكتبه ورُسله - عنده . لأن الله جلّ ثناؤه قد أخبرَ عن الذين وَصفهم بما وصفهم به من النفاق ، وخِداعهم إياه والمؤمنين - أنهم لا يشعرون أنهم مُبْطلون فيما هم عليه من الباطل مُقِيمون ، وأنَّهم بخداعهم - الذي يحسبون أنهم به يُخادعون ربهم وأهلَ الإيمان به - مخدوعون . ثم أخبر تعالى ذكره أنّ لهم عذابًا أليمًا بتكذيبهم بما كانوا يكذِّبون من نبوة نبيّه ، واعتقاد الكفر به ، وبما كانوا يَكذِبون في زعمهم أنهم مؤمنون ، وهم على الكفر مُصِرُّون . فإن قال لنا قائل : قد علمت أن " المُفاعلة " لا تكون إلا من فاعلَيْن ، كقولك : ضاربتُ أخاك ، وجالست أباك - إذا كان كل واحد مجالس صَاحبه ومضاربَه . فأما إذا كان الفعلُ من أحدهما ، فإنما يقال : ضربتُ أخاك ، وجلست إلى أبيك ، فمَنْ خادع المنافق فجاز أن يُقال فيه : خادع الله والمؤمنين ؟ قيل : قد قال بعضُ المنسوبين إلى العلم بلغات العرب ( 2 ) : إنّ ذلك حرفٌ جاء بهذه الصورة أعني " يُخَادِع " بصورة " يُفَاعل " ، وهو بمعنى " يَفْعَل " ، في حروفٍ أمثالها شاذةٍ من منطقِ العرب ، نظيرَ قولهم : قاتَلك الله ، بمعنى قَتَلك الله . وليس القول في ذلك عندي كالذي قال ، بل ذلك من " التفاعل " الذي لا يكون إلا من اثنين ، كسائر ما يُعرف من معنى " يفاعل ومُفاعل " في كل كلام العرب . وذلك : أن المنافق يُخادع الله جل ثناؤه بكَذبه بلسانه - على ما قد تقدّم
--> ( 1 ) الأثر 320 - في الدر المنثور 1 : 30 ، والشوكاني 1 : 30 بتمامه ، ويأتي تمامه في تفسير بقية الآية برقم : 321 . ( 2 ) يعني أبا عبيدة في كتابه " مجاز القرآن " : 31 .