محمد بن جرير الطبري

258

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ } قال أبو جعفر : وأصلُ الختم : الطَّبْع . والخاتَم هو الطَّابع . يقال منه : ختمتُ الكتابَ ، إذا طبَعْتَه . فإن قال لنا قائل : وكيف يختِمُ على القلوبِ ، وإنما الختمُ طبعٌ على الأوعية والظروف والغلف ( 1 ) ؟ قيل : فإن قلوبَ العباد أوعيةٌ لما أُودِعت من العلوم ، وظروفٌ لما جُعل فيها من المعارف بالأمور ( 2 ) . فمعنى الختم عليها وعلى الأسماع - التي بها تُدرَك المسموعات ، ومن قِبَلها يوصَل إلى معرفة حقائق الأنباء عن المُغَيَّبات - نظيرُ معنى الختم على سائر الأوعية والظروف . فإن قال : فهل لذلك من صفةٍ تصفُها لنا فنفهمَها ؟ أهي مثل الختم الذي يُعْرَف لما ظَهَر للأبصار ، أم هي بخلاف ذلك ؟ قيل : قد اختلف أهل التأويل في صفة ذلك ، وسنخبر بصفته بعد ذكرنا قولهم : 300 - فحدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرَّمْلي ، قال : حدثنا يحيى بن عيسى ، عن الأعمش ، قال : أرانا مُجاهدٌ بيَدِه فقال : كانوا يُرَوْنَ أنّ القلبَ في مثل هذا - يعني الكفَّ - فإذا أذنبَ العبد ذنبًا ضُمّ منه - وقال بإصبعِه الخنصر هكذا ( 3 ) - فإذا أذنب ضُمَّ - وقال بإصبع أخرى - فإذا أذنب ضُمَّ - وقال بإصبع أخرى هكذا ، حتى ضم أصابعَه كلَّها ، قال : ثم يُطبع عليه بطابَعٍ . قال

--> ( 1 ) الغلف جمع غلاف : وهو الصوان الذي يشتمل على ما أوعيت فيه . ( 2 ) في المخطوطة : " من المعارف بالعلوم " . ( 3 ) قال بإصبعه : أشار بإصبعه .