محمد بن جرير الطبري
253
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
فأما مذهب من تأوَّل في ذلك ما قاله الربيع بن أنس ، فهو أنّ الله تعالى ذكره لمّا أخبرَ عن قوم من أهل الكفر بأنهم لا يؤمنون ، وأن الإنذارَ غيرُ نافعهم ، ثم كانَ من الكُفّار من قد نَفَعه الله بإنذار النبي صلى الله عليه وسلم إيّاه ، لإيمانه بالله وبالنبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله بعد نزول هذه السورة ( 1 ) - لم يَجُز أن تكون الآية نزلت إلا في خاصٍّ من الكفار وإذ كان ذلك كذلك - وكانت قادةُ الأحزاب لا شك أنَّهم ممن لم ينفعه الله عز وجل بإنذار النبي صلى الله عليه وسلم إياه ، حتى قتلهم الله تبارك وتعالى بأيدي المؤمنين يوم بدرٍ - عُلم أنهم مِمّن عنَى الله جل ثناؤه بهذه الآية . وأمَّا عِلَّتُنا في اختيارنا ما اخترنا من التأويل في ذلك ، فهي أنّ قول الله جل ثناؤه ( إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) ، عَقِيبَ خبر الله جل ثناؤه عن مؤمني أهل الكتاب ، وعَقِيبَ نعتهم وصِفتهم وثنائه عليهم بإيمانهم به وبكتبه ورسله . فأوْلى الأمور بحكمة الله ، أن يُتلِيَ ذلك الخبرَ عن كُفّارهم ونُعُوتهم ، وذمِّ أسبابهم وأحوالهم ( 2 ) ، وإظهارَ شَتْمهم والبراءةَ منهم . لأن مؤمنيهم ومشركيهم - وإن اختلفت أحوالهم باختلاف أديانهم - فإن الجنس يجمع جميعَهم بأنهم بنو إسرائيل . وإنما احتجّ الله جلّ ثناؤه بأوّل هذه السورة لنبيِّه صلى الله عليه وسلم على مشرِكي اليهود من أحبار بني إسرائيل ، الذين كانوا مع علمهم بنبوّته مُنْكِرين نبوّته - بإظهار نبيِّه صلى الله عليه وسلم على ما كانت تُسِرُّه الأحبار منهم وتكتُمه ، فيجهلُهُ عظْم اليهود وتعلمُه الأحبار منهم ( 3 ) - ليعلموا أن الذي أطلعه على علم ذلك ، هو الذي أنزل الكتابَ على موسى . إذْ كان ذلك من الأمور التي لم يكنْ محمد
--> ( 1 ) سياق عبارته " فهو أن الله تعالى ذكره لما أخبر عن قوم . . . لم يجز . . . " ( 2 ) الأسباب جمع سبب : وأراد بها الطرق والوسائل . ( 3 ) عظم اليهود : معظمهم وأكثرهم .