محمد بن جرير الطبري

254

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

صلى الله عليه وسلم ولا قومُه ولا عشيرتُه يعلمونه ولا يعرفونه من قبل نزول الفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم ، فيمكنَهم ادّعاء اللَّبس في أمره عليه السلام أنه نبيٌّ ، وأنّ ما جاء به فمن عند الله ( 1 ) . وأنَّى يُمكنُ ادّعاء اللَّبس في صدق أمِّيٍّ نشأ بين أمِّيِّين لا يكتب ولا يقرأ ، ولا يحسُب ، فيقال قرأ الكتب فعَلِم ، أو حَسَب ( 2 ) فنجَّم ؟ وانبعثَ على أحْبارٍ قُرَّاءٍ كَتَبَة ( 3 ) - قد دَرَسوا الكتب ورَأسوا الأمم - يخْبرهم عن مستور عُيوبهم ، ومَصُون علومهم ، ومكتوم أخبارهم ، وخفيّات أمورهم التي جهلها من هو دونهم من أحبارهم . إنّ أمرَ من كان كذلك لغَيرُ مُشْكِلٍ ، وإنّ صدقَه لبَيِّن . ومما ينبئ عن صحة ما قُلنا - من أنّ الذين عنى الله تعالى ذكره بقوله : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) هُم أحبارُ اليهود الذين قُتلوا على الكفرِ وماتوا عليه - اقتصاصُ الله تعالى ذكره نَبأهم ، وتذكيرُه إياهم ما أخَذ عليهم من العهود والمواثيق في أمر محمدٍ عليه السلام ، بَعْد اقتصاصه تعالى ذكرُه ما اقتصّ من أمر المنافقين ، واعتراضِه بين ذلك بما اعترضَ به من الخبر عن إبليسَ وآدمَ - في قوله : ( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ) [ سورة البقرة : 40 وما بعدها ] ، واحتجاجُه لنبيِّه عليهم ، بما احتجَّ به عليهم فيها بعد جُحُودهم نبوّته . فإذْ كان الخبر أوّلا عن مُؤمِني أهل الكتاب ، وآخرًا عن مشركيهم ، فأولى أن يكون وَسطًا : - عنهم . إذْ كان الكلامُ بعضُه لبعض تَبَعٌ ، إلا أن تأتيهم دلالةٌ واضحةٌ بعُدول بعض ذلك عما ابتَدأ به من معانيه ، فيكونَ معروفًا حينئذ انصرافه عنه .

--> ( 1 ) في المطبوعة : " من عند الله " . ( 2 ) يعني بالحساب هنا : حساب سير الكواكب وبروجها ، وبها يعرف المنجم أخبار ما يدّعى من علم الغيب . ( 3 ) في المطبوعة : " وانبعث على أحبار " ، كأنه معطوف على كلام سابق . وليس صحيحًا ، بل هو استئناف كلام جديد .