محمد بن جرير الطبري

222

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وليسَ كونُ ذلك من حُروف أسماء الله جل ثناؤه وصفاته ، بمانعها أنْ تكون للسُّور فواتح . لأن الله جلّ ثناؤه قد افتتح كثيرًا من سوَر القرآن بالحمد لنفسه والثناء عليها ، وكثيرًا منها بتمجيدها وتعظيمها ، فغيرُ مستحيل أن يبتدئ بعض ذلك بالقسم بها . فالتي ابتُدِئ أوائلُها بحُروف المعجم ، أحدُ مَعاني أوائلها : أنهنّ فواتحُ ما افتتَح بهنّ من سُور القرآن . وهنّ مما أقسم بهن ، لأن أحدَ معانيهن أنّهنّ من حروف أسماء الله تعالى ذكُره وصفاتِه ، على ما قدَّمنا البيان عنها ، ولا شك في صحة معنى القسَم بالله وأسمائه وصفاته . وهنّ من حروف حساب الجُمَّل . وهنّ للسُّور التي افتتحت بهنّ شعارٌ وأسماء . فذلك يحوى مَعانِيَ جميع ما وصفنا ، مما بيَّنا ، من وجوهه . لأن الله جلّ ثناؤه لو أراد بذلك ، أو بشيء منه ، الدلالةَ على معنًى واحد مما يحتمله ذلك ( 1 ) ، دون سائر المعاني غيره ، لأبان ذلك لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إبانةً غيرَ مشكلةٍ . إذْ كان جلّ ثناؤه إنما أنزل كتابه على رسوله صلى الله عليه وسلم ليُبيِّن لهم ما اختلفوا فيه . وفي تركه صلى الله عليه وسلم إبانةَ ذلك - أنه مرادٌ به من وُجوه تأويله البعضُ دون البعض - أوضحُ الدليل على أنه مُرادٌ به جميعُ وجوهه التي هو لها محتمل . إذ لم يكن مستحيلا في العقل وجهٌ منها أن يكون من تأويله ومعناه ، كما كان غير مستحيل اجتماعُ المعاني الكثيرة للكلمة الواحدة ، باللفظ الواحد ، في كلام واحد . ومن أبىَ ما قلناه في ذلك ، سُئِل الفرقَ بين ذلك ، وبين سائر الحروف التي تأتي بلفظ واحد ، مع اشتمالها على المعاني الكثيرة المختلفة ، كالأمّة والدين وما أشبه ذلك من الأسماء والأفعال . فلن يقول في أحدٍ منْ ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله . وكذلك يُسأل كلّ من تأوّل شيئًا من ذلك - على وجهٍ دُون الأوجه الأخَر

--> ( 1 ) في المخطوطة والمطبوعة : " مما لا يحتمله ذلك " ، وهو محيل لمعناه .