محمد بن جرير الطبري
223
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
التي وصفنا - عن البرهان على دَعْواه ، من الوَجه الذي يجبُ التسليم له . ثم يُعارَض بقول مُخالفه في ذلك ، ويسأل الفرقَ بينه وبينه : من أصْل ، أو مما يدل عليه أصْل . فلن يقولَ في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله . وأما الذي زعم من النحويين : أنّ ذلك نظيرُ " بل " في قول المنشد شعرًا : بل * ما هَاج أحزانًا وشجوًا قد شَجَا وأنه لا معنى له ، وإنما هو زيادة في الكلام معناه الطَّرْح - فإنه أخطأ من وُجُوه شَتَّى ( 1 ) أحدها : أنه وَصفَ الله تعالى ذكره بأنه خاطب العرب بغير ما هوَ من لغتها ، وغير ما هو في لغة أحد من الآدميين . إذْ كانت العرُب - وإن كانت قد كانتْ تفتتح أوائل إنشادها ما أنشدت من الشعر ب " بل " - فإنه معلوم منها أنها لم تكن تبتدئُ شيئًا من الكلام ب " ألم " و " ألر " و " ألمص " ، بمعنى ابتدائها ذلك ب " بل " . وإذْ كان ذلك ليس من ابتدائها - وكان الله جل ثناؤه إنما خاطبهم بما خاطبهم من القرآن ، بما يعرفون من لغاتهم ، ويستعملون بينهم من منطقهم ، في جميع آية - فلا شك أن سبيل ما وصفنا من حروف المعجم ، التي افتُتِحت بها أوائل السور ، التي هن لها فواتح ، سَبيلُ سائر القرآن ، في أنه لم يعدلْ بها عن لغاتِهم التي كانوا بها عارفين ، ولها بينهم في منطقهم مستعملين . لأن ذلك لو كان معدولا به عن سبيل لغاتِهم ومنطقهم ، كان خارجًا عن معنى الإبانة التي وصف الله عزّ وجل بها القرآن ، فقال تعالى ذكره : ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ) . وأنَّى يكون مُبينًا ما لا يعقله ولا يفقهه أحد من العالمين ( 2 ) ، في قول قائل هذه المقالة ، ولا يُعْرَف في منطق أحد من المخلوقين ، في قوله ؟ وفي إخبار الله جَلّ ثناؤه عنه أنه عربي مبين ، ما يُكذِّب هذه المقالة ، وينبئ عنه أنّ العربَ كانوا به
--> ( 1 ) انظر ما مضى : 210 . ( 2 ) في المطبوعة : " ما لا يعقله ولا يفقهه " .