محمد بن جرير الطبري
221
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
بذكر ما ذُكر منه في مفاتيح السور ، عن ذكر تتمة الثمانية والعشرين حرفًا من حروف المعجم ، بتأويل : أن هذه الحروف ، ذلك الكتاب ، مجموعة ، لا ريب فيه - فإنه قول خطأ فاسدٌ ، لخروجه عن أقوال جميع الصحابة والتابعين وَمن بَعدَهم من الخالفين منْ أهل التفسير والتأويل ( 1 ) . فكفى دلالة على خَطئة ، شهادةُ الحجة عليه بالخطأ ، مع إبطال قائل ذلك قولَه الذي حكيناه عنه - إذ صار إلى البيان عن رفع " ذلك الكتاب " - بقوله مرّة إنه مرفوعٌ كلّ واحد منهما بصاحبه ، ومرة أخرى أنه مرفوعٌ بالرّاجع من ذكره في قوله " لا ريب فيه " ومرة بقوله " هدى للمتقين " . وذلك تركٌ منه لقوله : إن " ألم " رافعةٌ " ذلك الكتاب " ، وخروجٌ من القول الذي ادّعاه في تأويل " ألم ذلك الكتاب " ، وأنّ تأويل ذلك : هذه الحروف ذلك الكتاب . فإن قال لنا قائل : وكيفَ يجوز أن يكون حرفٌ واحدٌ شاملا الدلالةَ على معانٍ كثيرة مختلفة ؟ قيل : كما جاز أن تكون كلمة واحدةٌ تشتمل على معانٍ كثيرة مختلفةٍ ، كقولهم للجماعة من الناس : أمَّة ، وللحين من الزمان : أمَّة ، وللرجل المتعبِّد المطيع لله : أمّة ، وللدين والملة : أمّة . وكقولهم للجزاء والقصاص : دين ، وللسلطان والطاعة : دين ، وللتذلل : دين ، وللحساب : دِينٌ ، في أشباه لذلك كثيرةٍ يطول الكتاب بإحصائها - مما يكون من الكلام بلفظ واحد ، وهو مشتمل على معان كثيرة . وكذلك قول الله جل ثناؤه : " ألم " و " ألر " ، و " ألمص " وما أشبه ذلك من حروف المعجم التي هي فواتح أوائل السور ، كل حرف منها دالّ على معانٍ شتى ، شاملٌ جميعُها من أسماء الله عز وجل وصفاته ما قاله المفسِّرُون من الأقوال التي ذكرناها عنهم . وهنّ ، مع ذلك ، فواتح السور ، كما قاله من قال ذلك .
--> ( 1 ) الخالفين جمع خالف . خلف قوم بعد قوم يخلفون خلفًا فهم خالفون : جاءوا بعدهم وتبعوهم على آثارهم . تقول : أنا خاِلفه وخاِلفته : أي جئت بعده .