محمد بن جرير الطبري
183
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وتأويل وجه صوابه إذا نصبتَ : أن يوجَّه إلى أن يكون صفةً للهاء والميم اللتين في " عليهم " العائدة على " الذين " . لأنها وإن كانت مخفوضة بِ " على " ، فهي في محل نصب يقوله : " أنعمت " . فكأن تأويل الكلام - إذا نصبت " غير " التي مع " المغضوب عليهم " - : صراطَ الذين هَدَيتهم إنعامًا منك عليهم ، غيرَ مغَضوبٍ عليهم ، أي لا مغضوبًا عليهم ولا ضالين . فيكون النصب في ذلك حينئذ ، كالنصب في " غير " في قولك : مررت بعبد الله غيرَ الكريم ولا الرشيدِ ، فتقطع " غيرَ الكريم " من " عبد الله " ، إذْ كان " عبدُ الله " معرفة مؤقتة ، و " غير الكريم " نكرة مجهولة . وقد كان بعضُ نحويِّي البصريين يزعم أنّ قراءة مَنْ نصب " غير " في " غير المغضوب عليهم " ، على وَجه استثناءِ " غير المغضوب عليهم " من معاني صفة " الذين أنعمت عليهم " ، كأنه كان يرى أنّ معنى الذين قرأوا ذلك نصبًا : اهدنا الصراط المستقيم ، صراطَ الذين أنعمتَ عليهم ، إلا المغضوبَ عَليهم - الذين لم تُنعم عليهم في أديانهم ولم تَهْدهم للحق - فلا تجعلنا منهم . كما قال نابغة بني ذبيان : وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيْلالا أُسَائِلُها . . . عَيَّت جَوابًا ، ومَا بالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ ( 1 ) إلا أَوَارِيَّ لأيًا مَا أُبَيِّنُهُا . . . والنُّؤْيُ كالحَوْضِ بالمَظْلُومَةِ الجَلَدِ ( 2 )
--> ( 1 ) ديوانه : 23 ، ويأتي في تفسير آية البقرة : 35 ( 1 : 186 بولاق ) ، وآية النساء : 114 ( 5 : 178 ) ، وآية يونس : 98 ( 11 : 117 ) وآية سورة الليل : 20 ( 30 : 146 ) . يقال : لقيته أصيلالا وأصيلانًا ، إذا لقيته بالعشي . وذلك أن الأصيل هو العشي ، وجمعه أُصُل ( بضمتين ) وأصلان ( بضم فسكون ) ، ثم صغروا الجمع فقالوا : أصيلان ، ثم أبدلوا من النون لامًا . فعلوا ذلك اقتدارا على عربيتهم ، ولكثرة استعمالهم له حتى قل من يجهل أصله ومعناه . وعى في منطقه : عجز عن الكلام . ( 2 ) أواري جمع آري ( مشدد الياء ) : وهو محبس الدابة ومأواها ومربطها ، من قولهم : تأرى بالمكان أقام وتحبس . ولأيا : بعد جهد ومشقة وإبطاء . والنؤى : حفرة حول الخباء تعلى جوانبها بالتراب ، فتحجز الماء لا يدخل الخباء ، والمظلومة : يعني أرضًا مروا بها في برية فتحوضوا حوضًا سقوا فيه إبلهم ، وليس بموضع تحويض لبعدها عن مواطئ السابلة . فلذلك سماها مظلومة ، والظلم : وضع الشيء في غير موضعه . والجلد : الأرض الصلبة ، يعني أنها لا تنبت شيئًا فلا يرعاها أحد .