محمد بن جرير الطبري

184

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

والأواريُّ معلومٌ أنها ليست من عِدَاد " أحد " في شيء . فكذلك عنده ، استثنى " غير المغضوب عليهم " من " الذين أنعمت عليهم " ، وإن لم يكونوا من معانيهم في الدين في شيء . وأما نحِويُّو الكوفيين ، فأنكروا هذا التأويل واستخفُّوه ( 1 ) ، وزعموا أن ذلك لو كان كما قاله الزاعم من أهل البصرة ، لكان خطأ أن يقال : " ولا الضالين " . لأن " لا " نفي وجحد ، ولا يعطف بجحد إلا على جحد . وقالوا : لم نجد في شيء من كلام العرب استثناءً يُعطف عليه بجحد ، وإنما وجدناهم يعطفون على الاستثناء بالاستثناء ، وبالجحد على الجحد ، فيقولون في الاستثناء : قام القومُ إلا أخاك وإلا أباك . وفي الجحد : ما قام أخوك ولا أبوك . وأما : قام القومُ إلا أباك ولا أخاك . فلم نجده في كلام العرب . قالوا : فلما كان ذلك معدومًا في كلام العرب ، وكان القرآن بأفصح لسان العرب نزولُه ، علمنا - إذ كان قولُه " ولا الضالين " معطوفًا على قوله " غير المغضوب عليهم " - أن " غير " بمعنى الجحد لا بمعنى الاستثناء ، وأن تأويل من وجَّهها إلى الاستثناء خطأ . فهذه أوجه تأويل " غير المغضوب عليهم " ، باختلاف أوجه إعراب ذلك . وإنما اعترضْنا بما اعترضنا في ذلك من بَيان وُجوه إعرابه - وإن كان قصدُنا في هذا الكتاب الكشفَ عن تأويل آي القرآن - لما في اختلاف وجوه إعراب ذلك من اختلاف وجوه تأويله . فاضطرّتنا الحاجة إلى كشف وجوه إعرابه ، لتنكشف لطالب تأويله وُجوه تأويله ، على قدر اختلاف المختلفة في تأويله وقراءته . والصَّوابُ من القول في تأويله وقراءته عندنا ، القول الأول ، وهو قراءةُ ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) بخفض الراء من " غير " . بتأويل أنها صفة لِ " الذين أنعمت عليهم " ونعتٌ لهم - لما قد قدمنا من البيان - إن شئتَ ، وإن شئت فبتأويلِ تكرار " صراط " . كلُّ ذلك صوابٌ حَسنٌ .

--> ( 1 ) في المطبوعة : " واستخطئوه " ، واستخفوه : رأوه خفيفا لا وزن له .