محمد بن جرير الطبري

182

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

عليهم " غيرَ جائزٍ أن يرتاب ، مع سماعه ذلك من تاليه ، في أن الذين أنْعم الله عليهم بالهداية للصِّراط غيرُ غاضب ربُّهم عليهم ، مع النعمة التي قد عظمت مِنَّته بها عليهم في دينهم ؛ ولا أن يكونوا ضُلالا وقد هداهم الحقَّ ربُّهم . إذْ كان مستحيلا في فِطَرِهم اجتماعُ الرضَى من الله جلّ ثناؤه عن شخص والغضب عليه في حال واحدة ، واجتماعُ الهدى والضلال له في وقت واحد - أوُصِف ( 1 ) القوم ؛ معَ وَصْف الله إياهم بما وصفهم به من توفيقه إياهم وهدايته لهم ، وإنعامه عَليهم بما أنعم الله به عليهم في دينهم ، بأنهم غيرُ مغضوب عليهم ولا هم ضَالُّون ؛ أم لم يوصفوا بذلك . لأن الصِّفة الظاهرة التي وُصفوا بها ، قد أنبأت عنهم أنهم كذلك ، وإن لم يصرِّح وصفَهُم به . هذا ، إذا وجَّهنا " غير " إلى أنها مخفوضة على نية تكرير " الصراطِ " الخافضِ " الذين " ، ولم نجعل " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " من صفة " الذين أنعمت عليهم " ، بل إذا حملناهم غيرَهم . وإن كان الفريقان لا شك مُنْعَمًا عليهما في أدْيانهم . فأمّا إذا وجهنا " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " إلى أنها من نَعت ، " الذين أنعمت عليهم " . فلا حاجة بسامعه إلى الاستدلال ، إذْ كان الصريحُ من معناه قد أغنى عن الدليل . وقد يجوز نصب " غير " في " غير المغضوب عليهم " ، وإن كنتُ للقراءة بها كارهًا لشذوذها عن قراءة القُرّاء . وإنَّ ما شذ من القراءات عما جاءت به الأمة نقلا ظاهرًا مستفيضًا ، فرأيٌ للحق مخالف . وعن سبيل الله وسبيل رسوله صلى الله عليه وسلم وسبيل المسلمين مُتجانفٌ . وإن كان له - لو كانت جائزًا القراءةُ به ( 2 ) - في الصواب مخرجٌ .

--> ( 1 ) سياق العبارة : " سواء . . . أوصف القوم . . . أم لم يوصفوا " ، وما بين هذين فصل طويل كدأب أبي جعفر في بيانه . ( 2 ) في المطبوعة : " لو كانت القراءة جائزة به " ، بدلوه ليوافق عبارتهم ، دون عبارة الطبري