محمد بن جرير الطبري
181
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
التي هي أماراتٌ بين الناس ، مثل : زيد وعمرو ، وما أشبه ذلك ( 1 ) ؛ وإنما هي كالنكرات المجهولات ، مثل : الرجل والبعير ، وما أشبه ذلك . فلما كان " الذين " كذلك صفتُها ، وكانت " غير " مضافةً إلى مجهول من الأسماء ، نظيرَ " الذين " ، في أنه معرفة غير موقتة ، كما " الذين " معرفة غير مؤقتة - جاز من أجل ذلك أن يكون " غير المغضوب عليهم " نعتًا لِ " الذين أنعمت عليهم " كما يقال : " لا أجلس إلا إلى العالم غير الجاهل " ، يراد : لا أجلس إلا إلى مَن يعلم ، لا إلى مَن يجهل . ولو كان " الذين أنعمت عليهم " مَعرفة موقتة . كان غير جائز أن يكون " غير المغضوب عليهم " لها نعتًا . وذلك أنه خطأ في كلام العرب - إذا وصفت معرفة مؤقَّتة بنكرة - أن تُلْزِم نَعتها النكرةَ إعرابَ المعرفة المنعوت بها ، إلا على نية تكرير ما أعربَ المنعوتَ بها . خطأ في كلامهم أن يقال : " مررت بعبد الله غير العالم " ، فتخفض " غير " ، إلا على نية تكرير الباء التي أعرَبتْ عبد الله . فكان معنى ذلك لو قيل كذلك : مَرَرتُ بعبد الله ، مررت بغيرِ العالم . فهذا أحد وجهي الخفض في : " غير المغضوب عليهم " . والوجهُ الآخر من وجهي الخفض فيها : أن يكون " الذين " بمعنى المعرفة المؤقتة . وإذا وُجِّه إلى ذلك ، كانت " غير " مخفوضةً بنية تكرير " الصراط " الذي خُفِض " الذين " عليها ، فكأنك قلت : صراطَ الذين أنعمت عليهم ، صراطَ غير المغضوب عليهم . وهذان التأويلان في " غير المغضوب عليهم " ، وإن اختلفا باختلاف مُعرِبَيْهما ، فإنهما يتقارب معناهما . من أجل أنَّ من أنعم الله عليه فهداه لدينه الحق ، فقد سلم من غضب رَبه ونجا من الضلال في دينه . فسواءٌ - إذ كان سَبب قوله : " اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت
--> ( 1 ) يعني بقوله : " المعرفة المؤقتة " المعرفة المحددة ، وهو العلم الشخصي الذي يعين مسماه تعيينًا مطلقًا غير مقيد . فقولك " زيد " يعين تعيينًا مطلقًا أو محددًا . والمعرف بالألف واللام إنما يعين مسماه ما دامت فيه " ال " ، فإذا فارقته فارقه التعيين . وانظر معاني الفراء 1 : 7 .