محمد بن جرير الطبري
18
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وذلك أنه غيرُ جائز أن يُتوهّم على ذي فطرة صحيحة ، مقرّ بكتاب الله ، ممن قد قرأ القرآن وعرف حدود الله - أن يعتقد أنّ بعضَ القرآن فارسي لا عربيّ ، وبعضه نبطي لا عربيّ ، وبعضه روميّ لا عربيّ ، وبعضه حبشي لا عربي ( 1 ) ، بعد ما أخبر الله تعالى ذكرُه عنه أنه جعله قرآنًا عربيًّا . لأن ذلك إنْ كان كذلك ، فليس قولُ القائل : القرآن حبشيٌّ أو فارسيٌّ ، ولا نسبةُ من نسبه إلى بعض ألسن الأمم التي بعضُه بلسانه دون العرب - بأولى بالتطويل من قول القائل ( 2 ) : هو عربي . ولا قولُ القائل : هو عربيٌّ بأولى بالصّحة والصواب من
--> ( 1 ) في المطبوع والمخطوط " وبعضه عربي لا فارسي " مكان " وبعضه رومي لا عربي " ، وهو فاسد المعنى فآثرت أن أثبت ما يقتضيه سياق الكلام . وقد ذكر الروم آنفًا في ص 16 . ( 2 ) في المطبوعة : " بالتطول " وأراد الطبري بقوله " التطويل " نسبة القول إلى التزيد والسعة في الكلام ، حتى يستغرق الوصف بإحدى الصفات سائر الصفات الأخرى . وكلام الطبري يحتاج إلى فضل بيان - من أول قوله : " وذلك أنه غير جائز أن يتوهم . . " إلى قوله : " ولا جائز نسبته إلى كلام العرب " . فأقول : أراد الطبري أن يقول : إنه لا يستقيم في العقل أن يكون الرجل مؤمنًا بكتاب الله ، عارفًا بمعانيه وحدوده ، مقرًا بأن الخبر قد جاء من ربه أنه جعل القرآن " قرآنا عربيا " ، ولم يجعله أعجميا بقوله " ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي " - ثم يعتقد مع ذلك : أن بعض القرآن فارسي لا عربي ، وبعضه نبطي لا عربي ، وبعضه رومي لا عربي ، وبعضه حبشي لا عربي . فإنه إن فعل ، فقد نفى عن بعض القرآن أنه عربي ، والله يصف القرآن كله بأنه عربي . وأثبت لبعض القرآن أنه أعجمي ، والله تعالى ينفي عن جميعه أنه أعجمي . وخبر الله تعالى عن كتابه أنه جعله " قرآنا عربيا " صفة شاملة لا يجوز لأحد أن يخصص شمولها على بعض القرآن دون بعض . ولو جاز لأحد أن يخصص شمولها من عند نفسه فيقول : " بعض القرآن حبشي لا عربي ، أو فارسي لا عربي . . " ، لجاز أيضًا لقائل أن يقول من عند نفسه : " القرآن حبشي أو فارسي أو رومي ، أو أعجمي " . وحجة الطبري في ذلك : أن الذي يخصص شمول الصفة من عند نفسه على بعض القرآن بأنه عربي ، ويقول إن بعضه الآخر يوصف بأنه حبشي أو فارسي أو رومي - يدعى أن وصف القرآن بأنه عربي ، محمول على تغليب إحدى الصفات على سائر الصفات الأخرى . ولو جاز ذلك ، لجاز لقائل أن يقول : " القرآن حبشي أو فارسي أو رومي " ، لأنه فعل مثله ، فغلب إحدى الصفات على الصفات الأخرى . وإذا اقتصر المقتصر على صفة بعضه فقال : " القرآن حبشي أو فارسي " ، لم يكن أولى بأن ينسب إلى التوسع في الكلام والتزيد في الصفة ، من القائل : " القرآن عربي " ، لأنه اقتصر أيضًا على صفة بعضه ، فتوسع في الكلام وتزيد في الصفة . وإذا كان ما في القرآن من فارسي ورومي ونبطي وحبشي ، نظير ما فيه من عربي ، فليس قول القائل : " القرآن عربي " ، أولى بالصحة والصواب من قول القائل : " القرآن فارسي أو حبشي " ، فكلاهما أطلق صفة أحد النظيرين على الآخر . وإذا جاز لأحدهما أن يفعل ذلك مصيبًا في قوله ، جاز للآخر مثله مصيبًا في قوله . وهذا فساد من القول وتناقض ، ومخالف لقوله تعالى : " ولو جعلناه قرآنًا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي " ، فهذه شهادة من الله تعالى بأنه لم يجعله أعجميًا ، كشهادته سبحانه بأنه جعله " قرآنًا عربيا " . وقد اقتضى مذهب هذا القائل أن يقال : " القرآن حبشي أو فارسي " . كما يقال : " القرآن عربي " سواء . فناقض هذا قول الله سبحانه . وهذا قول " غير جائز أن يتوهم على ذي فطرة صحيحة ، مقر بكتاب الله ، ممن قرأ القرآن ، وعرف حدود الله " كما قال الطبري رحمه الله . وإذن فقول القائل من السلف : " في القرآن من كل لسان " ، ليس يعني به أن فيه ما ليس بعربي مما لا يجوز أن ينسب إلى لسان العرب - بل معناه أن فيه ألفاظًا استعملتها العرب ، وهذه الألفاظ أنفسها مما استعملته الفرس أو الروم أو الحبش ، على جهة اتفاق اللغات على استعمال لفظ واحد بمعنى واحد ، لا على جهة انفراد الكلمة من القرآن بأنها فارسية غير عربية ، أو رومية غير عربية . فإن السلف أعرف بكتاب الله وبمعانيه وبحدوده ، لا يدخلون الفساد في أقوالهم ، مناقضين شهادة الله لكتابه بأنه عربي غير أعجمي .