محمد بن جرير الطبري
164
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قال أبو جعفر : وقد ظنّ بعض أهل الغفلة أنّ ذلك من المقدّم الذي معناه التأخيرُ ، كما قال امرؤ القيس : ولَوْ أَنّ مَا أسْعَى لأَدْنَى مَعِيشةٍ . . . كَفاني ، ولم أطلُبْ ، قليلٌ من المالِ ( 1 ) يريد بذلك : كفاني قليلٌ من المال ولم أطلب كثيرًا . وذلك - من معنى التقديم والتأخير ، ومن مشابهة بيت امرئ القيس - بمعْزِل . من أجل أنّه قد يكفيه القليلُ من المال ويطلُب الكثيرَ ، فليس وُجودُ ما يكفيه منه بموجبٍ له تركَ طلب الكثير ، فيكونَ نظيرَ العبادة التي بوجُودها وجود المعونة عليها ، وبوجود المعونة عليها وُجُودها ، فيكونَ ذكرُ أحدِهما دالا على الآخر ، فيعتدلَ في صحة الكلام تقديمُ ما قُدِّم منهما قبلَ صاحبه ، أن يكونَ موضوعًا في درجته ومرتَّبًا في مرتَبتِه . فإن قال : فما وجْه تكراره : " إياك " مع قوله : " نستعين " ، وقد تقدَّم ذلك قَبْل " نعبد " ؟ وهلا قيل : " إياك نعبُدُ ونستعين " ، إذ كان المخبَرُ عنه أنه المعبودُ ، هو المخبر عنه أنه المستعانُ ؟ قيل له : إن الكاف التي مع " إيَّا " ، هي الكاف التي كانت تصل بالفعل - أعني بقوله : " نعبد " - لو كانت مؤخرةً بعدَ الفعل . وهي كنايةُ اسم المخاطبِ المنصوب بالفعل ، فكُثِّرت ب " إيّا " متقدِّمةً ، إذْ كان الأسماء إذا انفردتْ بأنفسِها لا تكون في كلام العرب على حرف واحد . فلمّا كانت الكاف من " إياكَ " هي كنايةَ اسم المخاطَب التي كانت تكون كافًا وحدها متصلةً بالفعل إذا كانتْ بعد الفعل ، ثم كان حظُّها أن تعادَ مع كلّ فعل اتصلتْ به ، فيقال : " اللهم إنا نعبدكَ ونستعينكَ ونحمدكَ ونشكرك " ، وكان ذلك أفصحَ في كلام العرب من أن يقال : " اللهم إنا نعبدك ونستعين ونحمد " - كان كذلك ، إذا قدِّمت كنايةُ اسم المخاطب قبل الفعل موصولةً ب " إيّا " ، كان الأفصح إعادَتها مع كل فعل . كما كان الفصيحُ من الكلام إعادَتها مع
--> ( 1 ) ديوانه 1 : 71 .