محمد بن جرير الطبري

165

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

كل فعل ، إذا كانت بعد الفعل متصلةً به ، وإن كان تركُ إعادتها جائزًا . وقد ظنّ بعضُ من لم يُنعم النظرَ ( 1 ) أنّ إعادة " إياك " مع " نستعين " ، بعد تقدّمها في قوله : " إياك نستعين " ، بمعنى قول عدي بن زيد العِبَاديّ : وجَاعِل الشَّمس مِصْرًا لا خَفَاءَ بِه . . . بَيْن النَّهارِ وَبيْنَ اللَّيل قد فَصَلا ( 2 ) وكقول أعشى هَمْدان : بَيْنَ الأشَجِّ وبَيْنَ قَيْسٍ باذخٌ . . . بَخْ بَخْ لوَالِدِهِ وللمَولُودِ ( 3 ) وذلك من قائله جهل ، من أجل أن حظ " إيّاك " أن تكون مكررة مع كل فعل ، لما وصفنا آنفًا من العلة ، وليس ذلك حُكم " بين " لأنها لا تكون - إذ اقتضت اثنين - إلا تكريرًا إذا أعيدت ، إذْ كانت لا تنفَرد بالواحد . وأنها لو أفْرِدت بأحد الاسمين ، في حال اقتضائها اثنين ، كان الكلام كالمستحيل . وذلك أنّ قائلا لو قال : " الشمس قد فَصَلت بين النهار " ، لكان من الكلام خَلْفًا ( 4 ) لنُقصان الكلام عما به الحاجة إليه ، من تمامه الذي يقتضيه " بين " . ولو قال قائل : " اللهمّ إياك نعبد " ، لكان ذلك كلامًا تامًّا . فكان معلومًا بذلك أنّ حاجةَ كلِّ كلمةٍ - كانت نظيرةَ " إياك نعبد " - إلى " إياك " كحاجة

--> ( 1 ) في المطبوعة : " لم يمعن النظر " ، بدلوها ، كما فعلوا في ص : 55 ، تعليق : 3 . ( 2 ) في اللسان ( مصر ) منسوبًا إلى أمية بن أبي الصلت . واستدركه ابن بري ونسبه لعدي بن زيد . والمصر : الحاجز والحد بين الشيئين . يقول : جعل الشمس حدا وعلامة بين الليل والنهار . ( 3 ) ديوان الأعشين : 323 ، والأغاني 6 : 46 ، 61 . وأعشى همدان هو عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني أبو مصبح ، كان أحد الفقهاء القراء ، ثم ترك ذلك وقال الشعر . يمدح عبد الحمن بن الأشعث بن قيس الكندي ، وكان خرج على الحجاج ، فخرج معه الفقهاء والقراء ، فلما أسر الحجاج الأعشى ، قال له : ألست القائل : وأنشده البيت - والله لا تبخبخ بعدها أبدًا ! وقتله . الأشج : هو الأشعث والد عبد الحمن ، وقيس جده . وبخ بخ : كلمة للتعظيم والتفخيم . وهذا البيت والذي سبقه شاهدان على صحة تكرار " بين " ، مع غير الضمير المتصل ، ومثلهما كثير . وأهل عصرنا يخطئون من يقوله ، وهم في شرك الخطأ . ( 4 ) الخلف ( بفتح فسكون ) : الرديء من القول . يقال هذا خلف من القول ، أي رديء . وفي المثل : " سكت ألفًا ونطق خلفًا " ، يقال للرجل يطيل الصمت ، فإذا تكلم تكلم بالخطأ . أي سكت دهرًا طويلًا ، ثم تكلم بخطأ . كنى بالألف عن الزمن الطويل ، ألف ساعة مثلا .